في مشهد ثقافي وإعلامي مهيب احتضنته دبي بالتزامن مع قمة الإعلام العربي 2026 توجت الروائية والصحفية العراقية القديرة إنعام كجه جي بـ جائزة “أفضل كاتب عمود” هذا الاحتفاء العربي المستحق بقامة عراقية بقدر ما يبعث في نفوسنا الفخر والاعتزاز فإنه يوقظ بداخلنا غصة مزمنة ويفتح الجرح الثقافي العراقي على مصراعيه ليطرح السؤال الأكثر إيلاماً: لماذا يبرع الآخرون في الاحتفاء بمبدعينا وهم في كامل عطائهم وحياتهم بينما تصر المؤسسة الرسمية في العراق على تطبيق شعارها غير المعلن “الموت أولاً.. ثم التكريم”.
إن المفارقة المبكية في واقعنا الثقافي تتجسد في هذه القاعدة الذهبية المعكوسة وكأن الاعتراف بالعبقرية أو صك الغفران عن سنوات الإبداع والعطاء في هذا الوطن مشروطان بالحصول على شهادة وفاة.! لا تنشط لجان الاحتفاء ولا تتحرك طائرات الإخلاء الطبي ولا تُفتح ميزانيات المهرجانات إلا بعد أن يغيب الجسد ويسكت النبض.
عندها فقط تستيقظ المؤسسة الثقافية الرسمية من سباتها وتبدأ المزايدات في تنظيم مجالس التأبين وديباج خطابات الرثاء الطنانة وإطلاق أسماء الراحلين على القاعات والمسارح في سلوك أقرب إلى “تكفير الذنب الممتد” منه إلى التكريم الحقيقي إن هذا الإصرار على جعل الموت بوابة وحيدة للاعتراف هو خذلان حقيقي وتفريط بالقامات العراقية يعيش بيننا اليوم في بغداد والمحافظات وفي منافي الغربة القسرية خزين لا ينضب من القامات الفكرية والأدبية والفنية مبدعون كبار في خريف العمر يصارعون المرض والعزلة والنسيان ويواجهون غيابا تاما لأبسط مقومات الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي الذي يحفظ كرامتهم الإنسانية فضلاً عن غياب الدعم الحكومي لنتاجهم الإبداعي.
المبدع العراقي لا يحتاج دموعاً تُذرف على نعشه ولا يحتاج قطعة قماش سوداء تُعلق على جدار منزله ولا خطابات إنشائية يشاد فيها بعطائه بعد أن وورِي الثرى المبدع يحتاج أن يُكرّم وهو ينبض بالحياة يحتاج أن يرى أثر فكره وفنه في عيون أبناء بلده ويحتاج رعاية رسمية تُشعِره بأن وطنه يقدر تضحياته وعطاءه قبل فوات الأوان، التكريم في الحياة هو طاقة أمل واستمرار أما التكريم بعد الموت فهو مجرد استعراض بروتوكولي لا يشبع ولا يغني من جوع المبدع لتقدير وطنه، إن الجائزة الرفيعة التي نالتها الروائية إنعام كجه جي في الإمارات هي صفعة لطيفة على وجه البيروقراطية الثقافية في العراق ورسالة واضحة مفادها أن الأوطان الحية هي التي تحتفي بأحيائها وتصنع منهم منارات لمستقبل لقد آن الأوان لكسر هذه الدائرة العقيمة وأن تتخلى وزارة الثقافة والجهات الحكومية عن دور “مؤسسة النعي” وتتحرك فوراً نحو استراتيجية وطنية شاملة لرعاية وتكريم القامات العراقية الشاخصة وهم بيننا إن إكرام المبدع وهو حي هو معيار عافية المجتمع والدولة فهل سنشهد صحوة تعيد للحي حقه أم سنظل أوفياء لشعارنا البائس: “الموت أولاً.. ثم التكريم”.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!