RSS
2026-09-04 16:13:11

ابحث في الموقع

البعد الاجتماعي لمحاسبة الفاسدين

البعد الاجتماعي لمحاسبة الفاسدين
بقلم: القاضي علي عبد اليمه جعفر

لا شك بأن هناك علاقة تأثير متبادلة بين مؤسسات الدولة والأفراد في كل مجتمع، فالمؤسسات الرسمية باعتبارها إحدى أدوات الضبط الاجتماعي تؤثر في سلوك الأفراد من خلال تأثرهم سلباً او إيجابا بثقافة تلك المؤسسات ومنهجها الذي تسير عليه، وبالمقابل فان اداء المؤسسات لنشاطها يتوقف على ثقافة إفراد مجتمعها وعلى درجة وعيه، فالدولة بمؤسساتها هي التي تربي الشعب على ثقافة معينة، أياً كان نوع هذه الثقافة فقد تكون ثقافة قبول عندما يؤمن الشعب بما تتبناه مؤسسات الدولة من أيدلوجية فكرية ومنهجية عملية فيكون تنفيذه لأوامرها والتزامه بقوانينها طوعياً نابع من قناعته وإيمانه، وقد تكون ثقافة رفض ومعارضة عندما يدرك الشعب ان ما تسير عليه مؤسسات الدولة لا يحقق مصلحته فيرفض ما يصدر عنها كلما سنحت له فرصة ذلك، وقد تكون ثقافة انصياع او إذعان او تبرير او تملق عندما لا يؤمن الشعب بما تتبناه ويدرك ان ما تسير عليه لا يحقق مصلحته بل ضدها.

 ومع ذلك فانه يذعن او يتملق في سبيل ان يحصل على حقه الذي سلب منه او على منفعة او ميزة معينة فتسود ثقافة التبرير او التملق للمسؤول القائم على تلك المؤسسة، وقد يطول الحديث عن الفساد والفاسدين وتتعالى صيحات المطالبة بالإصلاح وإعادة الحقوق المسلوبة وحل الأزمات.

 بل أكثر من ذلك يتطور الامر ويدور الخطاب حول سبب الفساد وتشخيص المسؤول عنه إلى ان يعتاد سماع هذا الحديث ويصبح امراً عادياً لا غرابة فيه، فتنشأ في المجتمع طبقة لا تخشى ولا تستحيى ان يطلق عليها بالطبقة الفاسدة بل قد يصرح او يعترف بذلك من بعض المنسوبين اليها، هذه الطبقة التي كل همها الحصول على المكاسب بأي طريقة كانت وعلى اي حساب كان, وطبقة أيسه متذمرة من الواقع الذي تعيشه بسبب فساد الطبقة الأولى تؤمن بأن مطالبتها بأبسط حقوقها لا يلاقي الا ما لا يحمد عقباه، وطبقة ثالثة متملقة للطبقة الفاسدة فقدت الثقة في الحصول على حقوقها بطريقة مشروعة لأنها تؤمن بان الطريق المشروع لا يجدي نفعاً وانه مجرد اجراء شكلي روتيني فلجأت الى التملق والوساطة و... فيصبح الحصول على الوظيفة او الامن او العلاج او حتى انجاز معاملة بسيطة امراً لا يتحقق الا بالتوسط عبر حزب معين او شخصية معينة، فيحل الولاء الشخصي محل الولاء المؤسساتي لفقدان الثقة بالمؤسسات الا القليل منها، فالفرد لا يكافح الفاسد لأنه يخشى فقدان المنفعة او الميزة التي يوفرها له والتي لا تعدل شيء مقارنةً بحقوقه المنهوبة المستولى عليها من ذلك المسؤول.

 لكن الامر المختلف الذي غيّر المعادلة التي يسّير عليها افراد المجتمع طوعاً او كرهاً هو اصرار القليل من مؤسسات الدول وبجهود متميزة من القائمين عليها على مكافحة الفساد المالي والإداري ومحاسبة الفاسدين، الأمر الذي ترتب عليه انقلاب في الثقافة الشعبية من ثقافة اليأس والتذمر او الاذعان والتملق والتبرير الى ثقافة المطالبة والملاحقة ومقاضاة الفاسدين واسترجاع الحقوق المسلوبة فبدلاً من التملق والتصفيق والتبرير للفاسد تعالى صوت الإخبار عن فساده وبدلا من اليأس وعدم الثقة بالمؤسسة الحكومية حل التأييد والمؤازرة لها لاستعادة الثقة بها بسبب اصرار تلك المؤسسات القليلة، فهذه الانطلاقة الجديدة في الثقافة الشعبية ينبغي أن تساند وتستثمر على أكمل وجه وان تزال امامها كل المعرقلات التي تعيدها الى ثقافة التكميم، وهذا التحول الايجابي في الثقافة الشعبية الذي برز نتيجةً لمحاسبة الفاسدين على فسادهم يعتبر نقطة انطلاق لمواكبة البلدان المتطورة ثقافياً التي يقوم إفراد شعبها بحمل المسؤول الفاسد ورميه في النفاية اذا ما تعذرت عليه سبل المحاسبة الرسمية، وفي ذات الوقت يعتبر هذا التحول الثقافي نهضة للقيم الأصيلة الموروثة قيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فالدولة لا تنهار فقط عندما يكثر فيه الفاسدون، بل عندما يصبح الفساد مقبولاً اجتماعياً، والقانون مهما بلغت صرامته يعجز عن حماية مجتمع لا يريد حماية نفسه، والقضاء لا ينتصر بإحقاقه الحق وإنصافه للمظلوم، إلا بوجود رأي عام يرفض منح الفاسد شرعيته.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!