هذه التطورات أدّت إلى انتقال جزء من الطلب على الدولار من القنوات الرسمية إلى السوق الموازي، ما أحدث ضغطاً مؤقتاً على الأسعار، مع بقاء سعر الصرف الرسمي ثابتاً عند 1310 دنانير للدولار.
وقال المستشار المالي للحكومة العراقية، مظهر محمد صالح، إن الارتفاع الأخير في سعر صرف الدولار داخل السوق الموازي يُعد تذبذباً وقتياً ناتجاً من تفاعل السوق مع إجراءات مالية جديدة، ولا يعكس اختلالاً هيكلياً في الاقتصاد العراقي.
وأوضح صالح، أن الأسواق تميل إلى اختبار السياسات عند إطلاقها، ولا سيما حزمة الانضباط المالي التي ركزت على ضبط مسارات الإنفاق العام، وتعزيز كفاءة الإيرادات، وتوسيع الأوعية الضريبية والجمركية.
وأضاف أن هذه التحركات لم تنعكس على مستوى المعيشة اليومية، إذ ظل معدل التضخم السنوي بحدود 2.5%، مدعوماً بثبات سعر الصرف الرسمي، ودعم مالي يشكّل نحو 13% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب سياسات تجارية أسهمت في امتصاص الصدمات السعرية.
على صعيد متصل، أفاد الخبير الاقتصادي منار العبيدي بأن الارتفاع الأخير في أسعار الدولار والسلع داخل السوق العراقية يرتبط بشكل مباشر بالإجراءات الجديدة التي باشرت الحكومة بتطبيقها مطلع عام 2026 في ملف الاستيراد والجمارك.
وأوضح العبيدي، أن تفعيل نظام الأسيكودا (نظام آلي لإدارة الجمارك وتسهيل التجارة)، إلى جانب فرض التأمينات الضريبية على البضائع المستوردة عند دخولها، يمثلان تحولاً جوهرياً في آلية تحصيل الإيرادات وتنظيم التجارة، على أن تُجرى التسوية الضريبية النهائية نهاية السنة المالية.
وبيّن العبيدي أن التعرفة الجمركية المعمول بها ليست قراراً حكومياً جديداً، إنما هي تشريع نافذ أقرّه مجلس النواب عام 2010، وأن أي تعديل للقانون المتعلق بها يجب أن يمر عبر بوابة السلطة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب العراقي.
وأضاف أن تشديد الرقابة أدى إلى انحسار تهريب العملة وتضخيم الفواتير، ما دفع بعض الطلب غير المشروع على الدولار إلى السوق الموازي، مشيراً إلى أن ارتفاع الدولار سيترافق مع زيادة أسعار السلع الاستهلاكية وارتفاع معدلات التضخم، ما يستدعي إجراءات دقيقة لزيادة الإيرادات غير النفطية، مع ضرورة حماية أسعار الغذاء والدواء والنقل من أي ضغوط إضافية على المواطنين.
من جانبه، قال الخبير المالي والمصرفي عبد الرحمن الشيخلي إن الاضطرابات الأخيرة في سوق الصرف تعود بالأساس إلى اختلال واضح في معادلة العرض والطلب على الدولار، نتيجة تغيّر سلوك الاستيراد بعد بدء تطبيق نظام الأسيكودا مطلع عام 2026.
وأوضح أن استقطاع الرسوم الجمركية مسبقاً دفع عدداً من التجار إلى تجنّب القنوات الرسمية للتحويل الخارجي، واللجوء إلى الاستيراد عبر منافذ لا تُطبّق النظام ذاته، ما أدى إلى تراجع حجم الدولار المجهّز عبر البنك المركزي بالسعر الرسمي.
وبيّن الشيخلي أن هذا الخلل انعكس مباشرة بزيادة الطلب على الدولار في السوق الموازية مقابل انخفاض المعروض، الأمر الذي ولّد ضغوطاً على سعر الصرف، ودفع المواطنين إلى ادخار الدولار كونه الوسيلة الآمنة بدلاً من العملة المحلية المتمثلة بالدينار العراقي.
وأوضح أن التطورات الاقتصادية والسياسية في بعض الدول، ومنها فنزويلا، أسهمت في رفع مستويات القلق في الأسواق الناشئة، ودفع شريحة من التجار إلى سحب كميات كبيرة من الدولار، ما زاد من الضغوط على السوق الموازي إلى حد كبير.
وأكد أن المعالجة لا تكون عبر إجراءات نقدية ظرفية، بل من خلال تشديد الرقابة على حركة الاستيراد، وحصر دخول البضائع بالتحويلات الخارجية الرسمية، وفرض أعباء جمركية أعلى على المستوردين غير الملتزمين، بما يحقق العدالة بين التجار، ويعيد التوازن إلى السوق، ويحد من المضاربات ويعزز الاستقرار النقدي.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!