«الذهب يتجاوز حاجز $$$$ دولاراً للأونصة للمرة الأولى في تاريخه»
هذا العنوان ليس خبراً اقتصادياً بل إنذاراً مبكراً بعد أن تكرّر كثيراً منذ فترة جائحة كورونا التي دفعت بإعادة النظر في قراءة الاقتصاد العالمي، وسيتكرّر بوتيرة متسارعة في الفترة القادمة، حتى لحظة انهيار النظام النقدي العالمي المرتبط بقيمة الدولار الأمريكي؛ وهي لحظة فقدان الثقة بعملات البنوك المركزية بسبب الانهيار الكامل لقيمة السيولة النقدية الورقية، مع تنامي اعتماد البشرية على الأصول العقارية والاستثمارية واكتناز المعادن الثمينة للحفاظ على القيمة الفعلية للثروة.
إن ارتفاع أسعار الذهب والفضة لن يتوقف، بسبب افتقار عملات البنوك المركزية إلى غطاء حقيقي يحفظ قيمة العملة، مع شحّ المعروض وارتفاع الطلب لسد حاجة الصناعات التكنولوجية على هذه المعادن. وسيواكب هذه الارتفاعات ارتفاعٌ في أسعار العقارات، وكذلك الأصول الاستثمارية في قطاعات الصناعة والزراعة والمواد الأولية. لذا، فإن الهرولة خلف توقعات البنوك العالمية مثل "غولدمان ساكس وجي بي مورغان" وغيرها تُعدّ عبثاً، لأن الحقيقة المرعبة التي ستلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي لم تعد بحاجة إلى بيوت خبرة عالمية لقراءتها أو التنبؤ بها، أكثر مما شهدناه بالفعل، حين تكون الواقعية هي الحاكمة.
منذ فك ارتباط الدولار بالذهب، فيما يُعرف بصدمة نيكسون عام ١٩٧١، عندما كان سعر الأونصة ٣٥ دولاراً، ليتبعها تعاظم أسعار النفط والطاقة بشكل عام، أصبح النظام المالي العالمي مهدَّداً بالانهيار، وأصبح البحث عن بديل للنظام المالي الذي أرسَته اتفاقية بريتون وودز عام ١٩٤٤ مسألة وقت. إلا أن تعاظم الدين العام العالمي، الذي شارف على ٤٠٠ تريليون دولار، حيث تشكل حصة الولايات المتحدة منه نحو ١٠٪، قد قلّص القيمة الفعلية للعملات الورقية مقارنة بالاستثمارات في الأصول الحقيقية، ولا سيما الأصول الآمنة كالمعادن الثمينة. لذا نجد أن توقعات كبار المستثمرين لسعر أونصة الذهب قد تجاوزت حدود ٢٧ ألف دولار قبل حلول عام ٢٠٣٠، وكذلك الحال في تعاظم سعر الفضة التي شهدت ارتفاعاً تجاوز ١٠٠٪ في أقل من عام.
وتُضاف إلى ذلك حروب رأس المال، والتعرفة الجمركية، والنزاعات العالمية على البلدان التي تمتلك الثروات الطبيعية وتذبذب أسواق النفط والغاز في فترة يحكمها اللايقين لعوامل جيوسياسية تتجاوز قراءة أساسيات السوق في العرض والطلب، خصوصاً في ظل حقيقة أن قيمة الدولار قد انخفضت إلى نحو ٣٪ من قيمته الأصلية خلال قرن واحد، حيث وقع جلّ هذا التدهور خلال السنوات الخمس والعشرين الأخيرة من مطلع هذا القرن.
كما أن العديد من الدول ستُحْجِم عن شراء السندات الأمريكية الممولة لديون الولايات المتحدة، في ظل استمرار الخزانة الأمريكية بطباعة الدولار التي قادت إلى تحميل شعوب العالم فاتورة التضخم الأمريكي، مع استمرار انهيار قيمة الدولار عالمياً لأن الأزمة هي أزمة ثقة بالدولار تحديداً بسبب استمرار الولايات المتحدة إصدار النقد لتسديد الدين وهذا ما سيخفض قيمة الدولار و يرفع قيمة الأصول.
الخلاصة: يجب التأهب للسيناريو الأسوأ، فالقادم مرعب. لقد آن الأوان لتحويل السيولة النقدية (المرتبطة قيمتها بالدولار الأمريكي) إلى عقارات وأصول آمنة كالمعادن الثمينة، لتكون هي الضامنة لحفظ قيمة التعاملات التجارية. كما أن السنوات القليلة القادمة، قبل نهاية العقد الجاري، تمثّل الوقت الضائع للتحوّط قبل فوات الأوان.
الدولار الأمريكي تحديداً وما يرتبط به من عملات لم تعد موطناً وضمانة للقيمة، بل أداة لنقل التضخم من الحكومات إلى الشعوب؛ ومن يحتفظ بالسيولة النقدية اليوم، يخسر بصمت؛ ومن لا يتحوط بالأصول العقارية والمعادن الثمينة، سيتحوّط بالندم.
القادم ليس أزمة موسمية بل إعادة ضبط قاسية وجذرية للنظام المالي العالمي برمّته، والذي لم تعد مسألة انهياره “هل؟” بل “متى؟".
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!