{فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ}.
الكَذِبُ والتَّزويرُ والتَّضليلُ والخِداعُ هوَسٌ عندَ البعضِ حدَّ الجنونِ، وذلكَ لسبَبينِ؛
*فقد تكونُ تجارتهُم {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}.
*أَو أَنَّها أَدواتهُم لعرضِ العظلاتِ والتستُّرِ على فسادهِم وفشلهِم!.
والمضحِكُ هوَ أَنَّهم يتصوَّرونَ بأَنَّ الكُلَّ يشتري منهُم بِضاعتهُم الفاسِدة ويقتنعُونَ بها، حتَّى الذين يتجاهلونهُم مثلاً ولا يردُّونَ عليهم ولا يُجادلونهُم من بابِ {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} أَو تجنُّباً من أَن يكونوا من جَوقة الذينَ تتحدَّث عنهُم الآية الكريمة {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} فيظنُّونَ أَنَّهم اقتنعُوا بخداعهِم وإِلَّا لَما سكتُوا عنهُم.
ناسينَ أَو مُتناسينَ ما يلي؛
أ/ ليسَ كُلَّ كذبةٍ أَو خداعٍ وتزويرٍ ينبغي الردَّ عليها، فقد يكُونُ الغرضُ منها بالأَساس إِستدراجكَ لجدالٍ عقيمٍ لا طائِلَ من ورائهِ، خاصَّةً إِذا كانت تافهةً ولا مَعنى لها.
ففي معرضِ المُحاججةِ بينَ نبيَّ الله إِبراهيم (ع) واحد المُشركينَ من قومهِ حاولَ (ع) أَن يكونَ الجدالُ منطقيّاً وعقلانيّاً بسؤَالهِ الأَوَّل ولكنَّهُ (ع) عندما شعرَ أَنَّ الآخرَ يُحاجِجُ ليُعاندَ وليسَ ليصِلَ إِلى الحقيقةِ لم يردَّ عليهِ وإِنَّما انتقلَ معهُ فَوراً إِلى السُّؤَال الثَّاني الذي أَغلقَ البابَ بوجهِ الآخر عندما عجزَ عن الردِّ، فهو (ع) عندما لم يردَّ على جوابهِ الأَوَّل لا يعني أَنَّهُ اقتنعَ بهِ أَبداً وإِنَّما لم يشأ أَن يُجادِلهُ بالجوابِ التَّافهِ ليتجاوزَ المُلاسنةَ معهُ فانتقلَ معهُ فوراً إِلى السُّؤَال الثَّاني، وبالإِنتقالةِ ظنَّ الآخرُ بأَنَّهُ (ع) إِقتنعَ بجوابهِ الأَوَّل فعجزَ عن الردِّ، والأَمرُ ليسَ كذلكَ بالمُطلقِ.
يقولُ (ع) {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
ب/ لكلِّ كِذبةٍ أَو تُهمةٍ أَو مُحاولةِ خداعٍ وتضليلٍ وقتٌ مُناسبٌّ للردِّ عليها وفضحِها وتعريةِ صاحبِها، فربَّما يكونُ استعجالكَ بالردِّ في غَيرِ وقتهِ يُفسِدُ عليكَ ما هوَ أَهم، ولذلكَ يلزم الحذَر من الإِستدراجِ للردِّ في توقيتٍ غيرِ مُناسبٍ قد يكشفَ أَسراركَ وخُططكَ وما أَشبَه، ولذلكَ قيلَ [في العجلةِ النَّدامةَ وفي التأَنِّي السَّلامةَ].
إِسعَ دائماً لأَن يكونَ إِختيار التَّوقيت في الردِّ والجدالِ بيدِكَ لا يستدرجُكَ إِليهِ أَحدٌ!.
فعندما اتَّهمَ أُخوة نبيَّ الله يوسُف (ع) أَخوهُم بالسَّرقةِ من قبلُ لم يكذِّبهُم يوسُف (ع) فوراً لأَنَّ ذلكَ كانَ يفضح خطَّتهُ المُحكمة التي كانَ قد رسمَها لكشفِ كاملِ الحقائقِ واسترجاعِ أَبوَيهِ وأَخوهُ، ولذلكَ تجاوزَ كذبتهُم إِلى إِشعارٍ آخر!.
أَمَّا إِخوتهُ فقد ظنُّوا بأَنَّهُ صدَّقهُم وتعاطفَ معهُم ولذلكَ لم ينبَس ببنتِ شفةٍ كما يُقالُ، وهو ظنٌّ خاطئٌ بالمُطلقِ.
يقولُ تعالى {قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ}.
وكانَ أُخوةُ يوسفَ (ع) قد مارسُوا الخِداعَ كذلكَ لإِيهامِ أَبوهم نبيَّ الله يعقُوب (ع) بأَنَّ الذِّئب هوَ الذي أَكل أَخوهُم يوسُف (ع) {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ* قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ* وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ}.
وهوَ (ع) كانَ يعرِفُ حقَّ المعرفةِ أَنَّهم يكذبُونَ لكنَّهُ لم يُجادلهُم فيما لا يمتلِك فيهِ دليلاً قاطعاً وإِثباتاً قطعيّاً ولذلكَ صبرَ علَيها وتجاوزها إِلى حينٍ.
ومن هذهِ القصصِ يُمكِنُ الإِنتباهَ إِلى حقيقتَينِ اثنَتَينِ؛
*الصَّبرُ على الخديعةِ وإِرجاءِ فضحِها وتعريةِ صاحبِها هي جزءٌ من خُطط المكرِ التي يرسمَها المرءُ للإِيقاعِ بخصمهِ المُخادع، المكرُ الذي يمتدحهُ القرآن الكريم بقَولهِ {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}.
*إِحذر أَن تدخُلَ جِدالاً من دونِ دليلٍ أَو إِثباتٍ حتَّى إِذا كانَ مدارهُ كِذبةً أَو تُهمةً يُطلِقها الآخر ضدَّ فِكرةٍ أَو رأيٍ أَو حتَّى شخصٍ، فجِدالُكَ من دونِ دليلٍ يضعكَ في مصافِّ الآخر المُخادِع الكذَّاب وبالتَّالي سيُفقِدُكَ مصداقيَّتَكَ.
يقُولُ تعالى {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.
فالدَّليلُ والبُرهانُ دليلُ صِدقِ الحِوار والجِدال، وبالتَّالي فهوَ مُؤَشِّرٌ على الجديَّةِ بعيداً عن أَيِّ نوعٍ من أَنواعِ عبثِ الحِوار، وهوَ محرَّمٌ شرعاً ومنبوذٌ عقلاً ومنطِقاً.
كما أَنَّهُ مُؤَشِّرٌ على علميَّةِ شخصيَّتِكَ وتبنِّيها للمنطِق بعيداً عن الإِنشاءِ والتَّهريجِ، وكُلُّ ذلكَ من أَخلاقيَّاتِ الجِدال بالتي هي أَحسنُ، فإِنَّ قَولَ الله تعالى {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} حثٌّ على الجدالِ بالدَّليلِ والبُرهانِ، لأَنَّنا لا يُمكنُ أَن نُطلِقَ على أَيِّ جِدالٍ صفةَ {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} إِذا لم يستندَ إِلى الدَّليلِ والبُرهانِ وكانَ إِنشاءً مُرسَلاً.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!