RSS
2026-02-21 13:21:09

ابحث في الموقع

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (3)

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (3)
بقلم: نزار حيدر

{قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ}.

  إِذن؛ هُناكَ مَن يرفُضَ النَّصيحةَ ولا يُبالي بالتَّحذيرِ، فمَن هوَ؟! ولِماذا؟! ومَتى؟!.

  قبلَ الجوابِ، وددتُ أَن أُشيرَ إِلى سُؤَالٍ كثيراً ما يتردَّد في الأَذهانِ بشأنِ النَّصحيةِ والتَّحذيرِ، وهوَ؛ هل أَنَّها لفِئَةٍ منَ المُجتمعِ دونَ أُخرى؟! أَو أَنَّها مِن فئةٍ دونَ غَيرِها؟!.

  بمعنى آخر؛ هل أَنَّ النَّاصحينَ المُحذِّرينَ في المُجتمعِ هُم فِئة العُلماء والمُثقَّفينَ فقَط مثلاً؟! وهل أَنَّ الذينَ يلزم نصحهُم وتحذيرهُم هُم الرعيَّةَ فقَط والجاهِل والأُمِّي من فئاتِ المُجتمعِ؟!.

  الجوابُ بالقطعِ واليقينِ؛ لا أَبداً، فكُلُّ فئاتِ المُجتمعِ بحاجةٍ إِلى النُّصحِ وإِنَّ كُلَّ شرائحَ النَّاسِ وطبقاتهِم مِن واجبهِم تقديمِ النُّصحِ إِذا اقتضَت الضَّرورة وحانَت الفُرصةُ، فالنَّصيحةُ لا تعتمِدُ فقط على عُنصرِ العِلم والمعرِفة أَو السُّلطة والنُّفوذ أَو المالِ والقُدرةِ والتمكُّنِ، أَبداً، خاصَّةً في زمنِ الأَزمةِ والتحدِّي، فقد تسمعَها من جاهلٍ أُميٍّ يمتلكُ من الخبرةِ والتَّجربةِ في الحياةِ والنَّزاهةِ والشَّجاعةِ والحِكمةِ ما لا يمتلكُ منها شيءٌ عالمٌ فقيهٌ أَو مثقَّفٌ مشهورٌ أَو غنيٌّ يتمتَّع بأَموالهِ!.

  النُّصحُ والتَّحذيرُ، إِذن، لا يقتصِرُ على فِئةٍ دونَ أُخرى لا بتقديمِها ولا بتلقِّيها، ولذلكَ وردَ عن رسولِ الله (ص) قولُهُ {(الدِّينُ النَّصِيحةُ) وعندما سُئِلَ؛ لِمَن يا رسولَ الله؟! قالَ (للهِ ولِكتابهِ ولِرسُولهِ ولأَئِمَّةِ المُسلمينَ وعامَّتِهِم)}.

  لأَنَّ النَّصيحةَ والتَّحذيرَ إِصلاحٌ والإِصلاحُ لا تقتصِرُ مسؤُوليَّتهُ على فِئةٍ دونَ أُخرى في المُجتمعِ، أَوَلَم يرِدُ في الحديثِ الشَّريفِ عن رسُولِ الله (ص) قولهُ {كُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مسؤُولٌ عن رعيَّتهِ}.

  يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً ولَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ؛ فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ وتَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ وتَعْلِيمُكُمْ كَيْلَا تَجْهَلُوا وتَأْدِيبُكُمْ كَيْمَا تَعْلَمُوا.

  وأَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ والنَّصِيحَةُ فِي الْمَشْهَدِ والْمَغِيبِ والإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ والطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ}.

  فالنَّصيحةُ كما يراها (ع) ليسَت من طرفٍ واحدٍ أَو مسؤُوليَّةِ طرفٍ دونَ الآخر، وإِنَّما هيَ خلُقٌ يلزَم إِشاعتهُ عندَ السُّلطة والرعيَّة على حدٍّ سَواء فالحاكِمُ ينصحُ ويُحذِّرُ ويُصغِ إِليها في نفسِ الوقتِ والرَّعيَّةُ تنصحُ وتُحذِّرُ وتُصغِ إِليها في ذاتِ الوقتِ! ويخطأُ مَن يتصوَّر بأَنَّ الصَّغيرَ فقط يحتاجُ إِلى النُّصحِ أَو أَنَّ الجاهِلَ فحَسب والمحكُومَ فقط هُم الذينَ بحتاجُونَ إِلى النُّصحِ والتَّحذيرِ وأَنَّ صاحِب السُّلطةِ فَوقَ النُّصحِ والتَّحذيرِ، أَبداً، فالحاكِمُ والعالِمُ والكبيرُ والصَّغيرُ والأُستاذُ والمُتعلِّمُ والغنيُّ والفقيرُ كلُّهم يحتاجُونَ إِلى النُّصحِ في لحظةٍ من اللَّحظاتِ.

  ولذلكَ ذكرَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) النُّصحَ كحقٍّ مُتبادَلٍ بينَ الإِمامِ والمأمومِ، بينَ السُّلطةِ والرعيَّةِ على حدٍّ سواءٍ.

  فقد يُجري الله تعالى نصيحةً على لسانِ صبيٍّ صغيرٍ أَو تحذيرٍ بسلوكٍ تُشاهِدهُ من حَيوانٍ، كما في قصَّةِ الغُرابِ {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ* فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}.

  نعودُ لنُجيبَ على الأَسئلةِ التي صدَّرنا بها المَقال؛ مَن الذي يرفُضُ النَّصيحةَ ولا يُبالي بالتَّحذيرِ؟! ولِماذا؟! ومَتى؟!.

  ١/ القافُلُ المُتعنِّتُ الذي يعتبِر أَنَّ النَّصيحةَ انتقاصٌ منهُ ومن شخصيَّتهِ ومكانتهِ الإِجتماعيَّةِ ودرجتهِ العلميَّةِ! وأَنَّ التَّحذيرَ تشكيكٌ بقُدراتهِ العقليَّةِ الخارِقةِ، فبِمجرَّدِ أَن تنصحهُ أَو تحذِّرهُ تنهالُ عليكَ المسبَّات والإِتِّهامات والطُّعون ممَّا لا يستَوعبَها ماءَ البحرِ إِذا كانَ مِداداً! وقد يتَّهمُكَ بالخرُوجِ عن الدِّينِ والتمرُّدِ على المذهبِ إِذا كانَ ممَّن يضعَ عمامةً فَوقَ رأسهِ، فهوَ بهذهِ الحالةِ يَعتبر نفسهُ ظِلَّ الله في الأَرضِ أَو وكيلَ السَّماءِ على وجهِ البسيطةِ! فكيفَ تجرُؤ [أَنتَ الذي مِنَ العَوامِّ] على نُصحهِ أَو تحذيرهِ؟!.

  يُحدِّثُنا القُرآن الكريم عن مثلِ هذه الحالاتِ بقَولهِ {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚحَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَـٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}.

  فهوَ قُد يتظاهرُ بالإِصغاءِ إِليكَ إِلَّا أَنَّهُ أَصدرَ حُكماً مُسبقاً بالفعلِ على كُلِّ ما سيسمعهُ منكَ، نصيحةً كانت أَم تحذيراً [الرَّفضُ] مهما بالغتَ في النَّصيحةِ أَو شفَّعتَ تحذيركَ بالأَدلَّةِ والبراهينِ والوثائقِ الدَّامِغةِ!.

  والأَغربُ من هذهِ الحالةِ ما يصفهُ القُرآن الكريم في قولهِ تعالى {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}.

  إِنَّهُم [الجماعة] التي تُصغي للنَّصيحةِ والتَّحذيرِ في المجلسِ ثمَّ لا يلبثُوا أَن يتركُوا كُلَّ ما سمِعُوهُ عندَ عتبةِ المجلسِ {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ}.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!