RSS
2026-03-06 23:35:10

ابحث في الموقع

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (16)

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (16)
بقلم: نزار حيدر

{وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا}.

  وهُنا مربطُ الفرَس أَو كما يُقالُ [هُنا تُسكَبُ العبَرات] فالآيةُ الكريمةُ تحثُّ على فعلِ ما تُشيرُ إِليهِ المَوعِظةُ أَو النَّصيحةُ خاصَّةً في ظرُوفِ الأَزمةِ!.

  فالذي يُعانِدُ أَو يتجبَّرُ عليهِ أَن يتحمَّلَ المسؤُوليَّةَ كامِلةً ولا يهرب منها، خاصَّةً إِذا كانَ في موقعِ المسؤُوليَّةِ الأَوَّل!.

  لكنَّنا نرى أَنَّ الكثيرَ من النَّاسِ عندما يرفُض النَّصيحةَ ثمَّ يتورَّط بمُصيبةٍ أَو هزيمةٍ أَو ما أَشبه، ويُورِّط، فهو بدلاً مِن أَن يُراجِعَ حساباتهِ أَو يُعيدَ النَّظر في أَسبابِ الرَّفض ودوافِع العَناد إِذا بهِ يبحثُ عمَّن يُعلِّق عليهِ سبب مُصيبتهِ، ظُلماً وعُدواناً.

  وإِنَّ من أَقبحِ أَفعالهِم هو أَنَّهم يرمُون ذلكَ على جهةٍ أَو جهاتٍ بريئةٍ لا علاقةَ لها بالأَمرِ أَو أَنَّها نصحَت وحذَّرت، أَي أَدلَت بما عليها من واجبٍ، إِلَّا أَنَّهُم لم يأخذُوا بنصائحهِم، فما هوَ وجهُ تقصيرهِم ليتحمَّلُوا المسؤُوليَّة وهم مثلاً ليسُوا أَصحابَ قرارٍ ولا يُمسِكونَ بشيءٍ من السُّلطةِ، أَيَّة سُلطة، فلماذا تُرمى المسؤُوليَّة على كواهلهِم؟!.

  هذا ظُلمٌ مُضاعَف!.

  يقولُ تعالى {وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا* وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}.

  خاصَّةً إِذا كانت الجَماعة هي التي طلبَت المشوَرة مثلاً أَو النَّصيحة أَو الرَّأي والفِكرة، فلماذا يُظلمُ المُستشار إِذا لم يأخذُوا برأيهِ؟!.

  يقولُ تعالى واصِفاً حالهُم {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا* اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}.

  ففي هذهِ الحالة لا يتحمَّل المسؤُوليَّة إِلَّا مَن تمرَّدَ على النَّصيحةِ، والآيةُ واضحةٌ جدّاً في تحديدِ الجهةِ الحصريَّةِ التي ستَنال نتيجة المَكر السِّيِّء! وهُنا هوَ التكبُّر على التَّحذيرِ والنُّصحِ.

  وأَقلُّ من ذلكَ سفاهةً هو أَن يتلاوَم القَوم معَ بعضهِم بسببِ ما حلَّ بهِم وهوَ أُسلوبٌ شيطانيٌّ لتضييعِ التَّقصيرِ والمسؤُوليَّة، كما يصفُ حالهُم ربُّ العزَّةِ بقَولهِ {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ} إِذ تتحوَّل المسؤُوليَّة ككُرةِ القدَمِ في السَّاحةِ! 

  كذلكًَ هذا خطأُ فالحِرصُ على النَّتائج لا ينبغي أَن يتحوَّلَ إِلى تلاوُمٍ فهوَ لا ينفعُ في شيءٍ، بل رُبَّما يُنتِجُ حِقداً وكراهيَّةً! وإإِنَّما الصَّحيحُ هوَ أَن يحرِصَ الجميعُ على تحمُّلِ المسؤُوليَّة من دونِ هرُوبٍ أَو تبريرٍ أَو تقاعُسٍ، وكُلُّ حسبَ موقعهِ وحجمِ مسؤُوليَّتهِ في صناعةِ القَرارِ.

  وهذا هوَ مبنى العُقلاء.

  السُّؤَال؛ وهل أَنَّ كُلَّ ذلكَ بسببِ الجهلِ والغفلةِ؟!.

  هذا أَحدُ أَهمِّ الأَسباب وأَخطرها. 

  يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {فَإِنَّكُمْ لَوْ قَدْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ ووَهِلْتُمْ وسَمِعْتُمْ وأَطَعْتُمْ ولَكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا وقَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ الْحِجَابُ! ولَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ وأُسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ وهُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ وبِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ الْعِبَرُ وزُجِرْتُمْ بِمَا فِيه مُزْدَجَرٌ ومَا يُبَلِّغُ عَنِ اللَّه بَعْدَ رُسُلِ السَّمَاءِ إِلَّا الْبَشَرُ}.

  أَضِف إِلى ذلكَ العَناد الذي يحُولُ دونَ الرِّياضات الروحيَّة والنفسيَّة التي تُهيِّء المرءَ للتَّعامُلِ مع النَّصائحِ والتَّحذيراتِ برُوحٍ رياضيَّةٍ وسَعةِ صدرٍ بِلا حروبٍ كلاميَّةٍ وتسقيطٍ وفضائِحَ ونشرِ الغسيلِ القذِر!.

  * إِحذر أَن تنشغِلَ بالنَّاصحِ [إِسمهُ، رسمهُ، هويَّتهُ، خلفيَّتهُ، مَوقعهُ، لونهُ، عشيرتهُ وجنسهُ] عن ذاتِ النَّصيحةِ وجَوهرِ التَّحذيرِ، فإِنَّ ما يهمُّكَ هوَ الرِّسالةُ وليسَ صاحبِ الرِّسالة، فإِذا قلَّبتها ظهراً وبَطن ووجدَتها سليمةً وصحيحةً وفي محلِّها فبادِر فَوراً للأَخذِ بها والعملِ على تنفيذِها، وإِلَّا فاضرُبها عَرضَ الحائِطِ.

  يُحدِّثنا القُرآن الكريم عن هذا الصِّنفِ من البشرِ بقولهِ عزَّ وجلَّ في قصَّةِ نبيَّ الله موسى (ع) {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ* إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ* فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ* فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ}.

  فبدلاً من الإِنشغال بفَحوى الرِّسالة تراهُم يضيِّعونَ الوَقت بوصفِ موسى (ع) وقومهِ!.

  وما علاقةُ النَّصيحةِ بأُمِّ النَّاصحِ وأَبوهُ وخالهُ وجَّدهُ وعشيرتهُ؟!.

  إِنَّهُ الجَهل المُركَّب والغَفلة التي تمنعَك من الإِنشغالِ بالنَّصيحةِ والتَّحذيرِ لتتلهَّى بالأُمور الجانبيَّة التَّافِهة.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!