{إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا}.
إِنَّ من حِكَمِ الله تعالى ولُطفهِ وعدلهِ في خلقهِ ما يلي:
١/ دعوتهُ لهُم لإِعمارِ الأَرضِ وبنائِها وتنميتِها {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ}.
ولقد كتبَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) في عهدهِ للأَشترِ لمَّا ولَّاهُ مِصر {هَذَا مَا أَمَرَ بِه عَبْدُ اللَّه عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الأَشْتَرَ فِي عَهْدِه إِلَيْه حِينَ وَلَّاه مِصْرَ؛ جِبَايَةَ خَرَاجِهَا وجِهَادَ عَدُوِّهَا واسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا وعِمَارَةَ بِلَادِهَا}.
٢/ تهيئةُ الأَسبابِ الكامِلةِ والمطلوبةِ لتحقيقِ هذا الهدفِ السَّامي وعلى رأسِها العلمُ {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} و {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ* أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ* لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ* أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ* أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ}.
٣/ التَّمكينُ لتسخيرِ الأَسبابِ لتحقيقِ الهدفِ {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَّاتَشْكُرُونَ} {وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ}.
٤/ لم يستثنِ تعالى أَحداً من خلقهِ من كُلِّ ذلكَ فكلُّ امرئٍ لهُ حصَّةً منَ الأَسبابِ والتَّمكينِ والقُدرةِ على إِنجازِ مقدارٍ من الهدفِ {كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ* وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ* وَزُخْرُفًا ۚ}.
٥/ وكُلُّ ذلكَ لا يتحقَّق صُدفةً لأَحدٍ إِلَّا شريطةَ الإِجتهاد والمُحاولة والمُثابرة فالإِنجازُ لا يتحقَّق بالتَّثاقلِ والإِتِّكالِ والتَّواكُلِ {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌا} {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ}.
٦/ وهذهِ كُلُّها تشملُ الإِنسان الفَرد والإِنسان المُجتمع [الأُمَّة].
فأَنتَ مثلاً إِذا أَردتَ أَن تحقِّق إِنجازاً أَو نجاحاً فعليكَ أَوَّلاً أَن تجتهدَ وتُثابرَ وتثقَ بقُدرتكِ على فعلِ ذلكَ، وإِلَّا فحتَّى إِذا ملكتَ كُلَّ شيءٍ من أَسبابٍ ومُسبِّباتٍ وتمكينٍ فسوفَ لن تُحقِّق شيئاً إِذا كنتَ مُتواكلاً أَو لم تكُن واثقاً بنفسكَ.
في قصَّةِ ذو القرنَينِ تجلَّت كُلَّ هذهِ المعاني بشكلٍ واضحٍ، فلأَنَّهُ كانَ واثقاً من نفسهِ ومن قُدراتهِ على إِنجازِ ما عجزَ عنهُ الآخرونَ ولأَنَّهُ استحضرَ الأَسباب وهيَّأَ وسائلَ التَّمكينِ التي وهبَها الله تعالى لعبادهِ لإِعمارِ الأَرضِ وبنائِها حقَّق ما رآهُ من إِنجازٍ يخدمُ البشريَّةَ، وهوَ الهدفُ المطلوبُ تحقيقهُ بشتَّى الجهودِ والأَسبابِ والتَّضحياتِ.
قد يسأَلُ سائلٌ؛ لماذا جعلَ الله سبحانهُ لكُلِّ إِنجازٍ سببٌ أَو أَسبابٌ؟!.
الجوابُ؛ حتَّى تنتظِمَ الحياةُ وتترتَّب الإِنجازات فلا يكونُ للفَوضى والصِّدفةِ مكانٌ، فلَو كانت الأُمورُ تسيرُ من دونِ أَسبابٍ لعمَّت الفَوضى والعبثيَّةُ الحياةَ ولما ميَّزنا بينَ مَن هو قادرٌ على الأَخذِ بالأَسبابِ لتحقيقِ الإِنجازِ وبينَ مَن هو مُتواكلٌ لا يأخذُ بأَيِّ سببٍ ثمَّ ينتظرُ أَن يُنجزَ شيئاً!.
فالأَخذُ بالأَسبابِ ميزانٌ للتَّمييزِ بينَ المُنتظِم والفَوضوي وبينَ النَّاجحِ والفاشلِ {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا}.
والأَسبابُ من حولِنا دائماً وأَبداً فقط يلزَمنا أَن:
- ننتبهَ لها لنأخذَ بها.
- نختارَ لكُلِّ إِنجازٍ أَو نجاحٍ أَو هدفٍ أَسبابهُ، فليسَّ كُلَّ الأَسبابِ تدخلُ في كُلِّ الإِنجازاتِ، أَبداً، وإِنَّما لكُلِّ نجاحٍ أَسبابهُ ولكُلِّ إِنجازٍ مُمكِّناتهُ {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا} وهذا ما نقرأَهُ في قصَّةِ الإِنجازاتِ الثَّلاثةِ التي حقَّقها ذُو القرنَينِ.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!