RSS
2026-06-29 15:42:19

ابحث في الموقع

كربلاء.. انتصار المعني

كربلاء.. انتصار المعني
بقلم: د. خالد قنديل

لم تكن "كربلاء" قصة واقعةٍ سردها التاريخ وطواها الزمن، ولم تغد مجرد ذكرى تستدعى من ذاكرة الألم على سبيل الرثاء، لأنها لم تكن معركة بالسيوف وحدها، بل بالأحرى معركة بين الإنسان وظله، بين الضمير حين يستفيق، والمصلحة حين تتحلى برداء الحكمة، لذا فهي إحدى تلك اللحظات النادرة التي تجاوزت حدود التأريخ والذكرى إلى حالة أشمل وأعم من وملمح لسؤالٍ أخلاقي مفتوح أمام الإنسان والإنسانية: ماذا يفعل هذا الإنسان حين يجد نفسه في خيار بين سلامته الشخصية والحق مدفوع الثمن؟ بين اختيار النجاة والانحياز للمبدأ؟ بين التمسك بحياة والكرامة؟، الحق، المبدأ، الكرامة، إنه الاختيار الذي يُكمل المعنى في صورة الإنسان، ومن ثم فإن كربلاء أبعد وأعمق من الخيار بين"لا"، أو "نعم"، "لا" حين تخرج من فم مؤمن، و"نعم" صوت الخائفين، ولأن الزمان والمكان وكذلك الأشخاص، ليسوا سوى عناصر الحكايات في الحياة الدنيا، فإن الأفعال والإرادة هي المحك الذي يُقاس به سلامة الوجود، أن تكون موجودًا كأنك لم تكن، أو ليس بيننا وذا أثرٍ باقٍ من القيم التي تستقيم بها المعاني ويستقيم بها الوجود، وإذا كان الزمان يوم العاشر من محرم للعام الحادي والستين من الهجرة، فإن كربلاء لم تبدأ في هذا التاريخ، لكنها بدأت يوم سكت الناس أول مرة عن الحق وقالوا: وما شأننا؟، بدأت يوم صار الدين عادة، والعدل خطبة، والشجاعة ذكرى قديمة تُروى ولا تُمارس، وكان الحسين هناك لا يقاتل جيشًا فقط، بل يقاتل فكرة أخطر من الجيش أن يعيش الإنسان بأي ثمن، أن ينجو ولو مات قلبه، أن يربح رأسه ويخسر وجهه أمام الله. خرج الحسين بن علي، سبط النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أهل بيته ونفر قليل من أصحابه، رافضًا مبايعة السلطة القائمة، ومؤمنًا بأن الشرعية ليست القوة التي تحكم، وإنما هي العدالة التي تحفظ الدين والإنسان، ومن هنا فإن الطريق إلى كربلاء لم يكن طريقًا إلى نصرٍ عسكري، بل دربٌ طويل من معنى أعمق وأبقى أثرًا تكلل بتاج الشهادة، ليكون شاهدًا على الانتصار للحق والعدل والكرامة والشجاعة والتضحية والمُثل العليا إلى يومِ الدين.

كان الحسين يعرف أن الطريق لا يعود به إلى بيت، بل إلى خلود، وكان الذين معه قلة، ولكن القلة حين تؤمن تصبح أكثر من الجيوش، فالعدد لا يصنع الحق، كما أن الظلام لا يصير نورًا لأنه ملأ الغرفة، هناك، في صحراء كربلاء، وقف الجسد المحدود أمام المعنى اللامحدود، وسقط الجسد، وبقي المعنى يمشي في التاريخ، وفي صحراء كربلاء، لم تكن ثمة مأساة نحصرها في اختلال ميزان القوة فحسب، بل في تفاصيل تكشف قسوة اللحظة، حصار الماء عن النساء والأطفال، طعنات العطش التي سبقت طعنات السيوف، ثم سقوط الرجال واحدًا تلو الآخر، إلى أن بقيَ الحسين وحيدًا يحمل عبء قضيته وقضية أمة، فكان التضحية التي لم تسعَ إلى سلطان أو توسع، وكان رسالة الضمير الخالدة في وجه الخضوع. إن أعظم ما يمكن تعلمه من كربلاء أن صفحات كتاب التاريخ المضاءة لا تبالي بعدد المنتصرين في المعارك، وإنما فيم كانت المعارك، وما القيم التي بقيت بعد انقضاء المعارك، فكم من جيوش ملأت الدنيا صخبًا واستعراضًا لقوة هي في الأساس وهن، ثم أصبحت منسيةً كرمادٍ في ريح، وكم من إنسان واجه رياح الأطماع وحده، فصار رمزًا حيًا في النفس الإسانية القويمة الواعية، إذ أن وقوفه الصلد وانحيازه للقضية كان أكبر من حياته نفسها. قُتل الحسين، لكن قاتليه لم يستطيعوا أن يقتلوا السؤال الذي تركه خلفه، ماذا تفعل حين يقف الحق وحيدًا؟، هل تنصره لأنه حق، أم تتركه لأنه وحيد؟، وهذا هو امتحان كربلاء الذي لا ينتهي، فكربلاء ليست أرضًا في العراق فقط، بل احتمال قائم في كل نفس، في كل لحظة ترى فيها الظلم وتقول: أنا صغير، لا أستطيع، في كل مرة تعرف الحقيقة ثم تضع عليها غطاءً من الخوف، في كل موقف تختار فيه السلامة بدل الكرامة، والحسين ليس ذكرى للبكاء فقط، إنه مرآة، ومن أخطر ما في المرآة أنها لا تجامل، تنظر فيها، فتراك كما أنت حُرًا كنت أم عبدًا لخوفك؟، صادقًا أم بارعًا في التبرير؟، حي القلب أم ميت الضمير؟، والإجابة التي تنطق بها المرآة هي التي تؤكد أن كربلاء ليست انتصارًا للهزيمة، كما يرى البعض، بل هي انتصار للمعنى على القوة، وإن كان السيف قد انتصر ساعات، فإن الدم المبذول قد انتصر قرونًا، انتصارًا قائمًا وممتدًا، وما زال الناس بعدما يقرب من ألف وأربعمائة عام يذكرون الحسين بوصفه رمزًا للمقاومة الأخلاقية، بينما لا يتذكرون أولئك الخصوم إلا باعتبارهم شاهدًا على استبداد السلطة حين تنفصل عن العدالة، وهذه هي المعجزة أن يموت الإنسان، ثم يصبح موته حياةً لضمائر لا تُحصى، وأن يُرفع رأسه على رمح، فإذا بالرأس المرفوع يوقظ رؤوسًا كانت مطأطئة.

ولعل كثيرًا من الإصلاحات والثورات عبر التاريخ، قد استلهمت روح كربلاء، لا لأنها معركة عسكرية، بل لأنها نموذج للموقف الذي يرفض شرعنة الظلم، وهذا ما يُفسر وجود عبارة مثل "كل أرض كربلاء، وكل يوم عاشوراء"، كتعبير رمزي عن أن مواجهة الظلم ليست حادثة مرتبطة بزمن، بل مسؤولية متجددة في كل عصر، غير أن الاحتفاء بكربلاء والوفاء الحقيقي لها، لا يجب أن يكون في اعتبارها مناسبة لانقسام في الصفوف أو خلاف أو كراهية، لأن الحسين الشهيد خرج وبذل الدماء الشريفة لا ليقسم الأمة، وإنما ليجمعها على القيم عن القيم، وأن يكون الدين نصيرًا للمظلوم لا غطاءً للسلطان. إن كربلاء، قصة ضمير نابضٍ رفض أن يُباع أو حتى يكون عُرضةً للبيع، وإعلان خالد بأن الإنسان قد يخسر المعركة، لكنه لا يخسر التاريخ إذا ظل وفيًا لمبدئه، لذلك بقيت حية في الضمير الإنساني، لأن الدم الذي سُفك هناك لم يكن دمًا يبحث عن الثأر، بل كان دمًا يكتب بمداده أن الكرامة أغلى من العمر، وأن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تموت

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!