RSS
2026-07-11 16:10:21

ابحث في الموقع

الإفراج الشرطي في جرائم الاتجار بالمخدرات: هل يكفي حسن السيرة داخل المؤسسة الإصلاحية؟

الإفراج الشرطي في جرائم الاتجار بالمخدرات: هل يكفي حسن السيرة داخل المؤسسة الإصلاحية؟
بقلم: القاضي مثنى احمد مصطفى

يثار في ميدان تنفيذ العقوبات تساؤل قانوني جوهري مفاده: هل يكفي أن يمضي المحكوم عليه جزءاً من مدة العقوبة، وأن يظهر حسن السلوك داخل المؤسسة الإصلاحية، حتى يكون مستحقاً للإفراج الشرطي؟ أم أن طبيعة بعض الجرائم، ولا سيما جرائم الاتجار بالمواد المخدرة، تقتضي التحقق من مدى استمرار الخطورة الجرمية التي يمثلها المحكوم عليه على المجتمع؟

لم يعد هذا التساؤل مجرد نقاش فقهي أو اجتهاد نظري، بل أصبح محل حسم قضائي مهم بعد صدور قرار الهيئة الموسعة الجزائية في محكمة التمييز الاتحادية رقم (226/الهيئة الموسعة الجزائية/2023) الذي انتهى إلى أن المحكوم عليه عن جريمة الاتجار بالمواد المخدرة لا يكون مشمولاً بالإفراج الشرطي، تأسيساً على أن الخطورة الجرمية الناشئة عن هذا النوع من الجرائم لا يُفترض زوالها بمجرد تنفيذ جزء من العقوبة أو بمجرد حسن السلوك داخل المؤسسة الإصلاحية.

ويمثل هذا القرار اتجاهاً قضائياً مهماً في تفسير أحكام المادة (331) من قانون أصول المحاكمات الجزائية، إذ أكد أن الإفراج الشرطي ليس حقاً يثبت بصورة تلقائية بمجرد استكمال المدة القانونية، وإنما هو نظام إصلاحي تقديري يقوم على مدى تحقق الغاية من تنفيذ العقوبة، ومدى انحسار الخطورة الجرمية التي يمثلها المحكوم عليه.

وتكشف هذه الرؤية عن فلسفة عميقة في السياسة الجنائية؛ فالإفراج الشرطي لم يُقرر بوصفه مكافأة شكلية على الانضباط داخل السجن، وإنما باعتباره وسيلة قانونية لإعادة دمج المحكوم عليه في المجتمع بعد ثبوت قابليته الحقيقية للإصلاح. ومن ثم، فإن حسن السلوك داخل المؤسسة الإصلاحية، على أهميته، لا يكفي وحده لإثبات زوال الخطورة الإجرامية، لأن هذا السلوك قد يكون نتيجة مباشرة للرقابة والانضباط المفروضين داخل المؤسسة، ولا يعكس بالضرورة تحولاً حقيقياً في شخصية المحكوم عليه أو انقطاع صلته بالنشاط الإجرامي.

ومن هنا يبرز التمييز بين الجريمة والخطورة الجرمية؛ فالجريمة واقعة ماضية انتهى وقوعها بصدور الحكم، أما الخطورة الجرمية فهي حالة مستقبلية تتعلق باحتمال عودة الجاني إلى السلوك الإجرامي. فالخطورة ليست وصفاً ملازماً للجريمة وحدها، وإنما هي وصف يتصل بشخص الجاني، ويُستدل عليه من ظروفه وسلوكه ومدى استجابته لبرامج الإصلاح والتأهيل.

غير أن جرائم الاتجار بالمواد المخدرة تتميز بخصوصية تجعل تقدير هذه الخطورة أكثر تعقيداً، نظراً لما ترتبط به غالباً من جماعات إجرامية منظمة، ومصالح مالية غير مشروعة، وشبكات ممتدة، فضلاً عن آثارها الخطيرة على الأمن الصحي والاجتماعي والاقتصادي للدولة. ولذلك فإن التعامل معها بمنطق الجرائم العادية قد لا يحقق الغاية الوقائية التي تسعى إليها السياسة العقابية الحديثة.

ولا خلاف في أن حماية المجتمع تمثل إحدى الغايات الأساسية للعقوبة، إلا أن هذه الحماية ينبغي أن تتحقق في إطار مبدأ الشرعية الجنائية وضمانات المحاكمة العادلة. ومن ثم، فإن الاتجاه القضائي الذي استقر عليه القرار المشار إليه، على وجاهته العملية، يكشف في الوقت ذاته عن حاجة تشريعية واضحة إلى النص صراحة على الجرائم التي تستوجب الاستثناء من الإفراج الشرطي، أو التي يتعين فيها تشديد معايير تقدير الخطورة، حتى يستند التطبيق إلى نص قانوني واضح يحقق الاستقرار ويمنع تباين الاجتهادات القضائية مستقبلاً.

ومن هذا المنطلق، تبدو الدعوة إلى تعديل المادة (331) من قانون أصول المحاكمات الجزائية دعوة جديرة بالاهتمام، وذلك بإضافة نص صريح يتناول جرائم الاتجار بالمواد المخدرة والمؤثرات العقلية، ويقرر عدم شمول مرتكبيها بالإفراج الشرطي متى ثبت استمرار الخطورة الجرمية، مع وضع معايير قانونية محددة لتقدير هذه الخطورة، بدلاً من ترك الأمر للاجتهاد القضائي وحده.

كما أن تطوير نظام الإفراج الشرطي يقتضي استحداث آلية علمية ومهنية لتقييم الخطورة الجرمية، تعتمد على لجان متخصصة تضم ممثلين عن المؤسسة الإصلاحية، وخبراء في علم النفس والاجتماع، وممثلاً عن الادعاء العام، بما يتيح للمحكمة الاعتماد على تقارير موضوعية تقيس مدى نجاح برامج الإصلاح، واحتمالات العود إلى الجريمة، والتطور الحقيقي في شخصية المحكوم عليه، بدلاً من الاكتفاء بمعيار حسن السلوك الظاهري داخل المؤسسة الإصلاحية.

إن العدالة الجنائية لا تتحقق بالتشدد المطلق، كما لا تتحقق بالتوسع غير المنضبط في منح الامتيازات العقابية، وإنما تتحقق عندما يكون القرار القضائي قائماً على معايير موضوعية توازن بين حق المجتمع في الأمن، وحق المحكوم عليه في الاستفادة من الوسائل الإصلاحية التي قررها القانون. فالتفريد في تنفيذ العقوبة لا يعني التساهل، وإنما يعني أن يكون التقدير مبنياً على حقيقة شخصية الجاني وخطورته المستقبلية، لا على افتراضات مجردة أو شروط شكلية.

لقد أسهم قرار الهيئة الموسعة الجزائية في ترسيخ مفهوم مهم مفاده أن الخطورة الجرمية عنصر جوهري في تقدير استحقاق الإفراج الشرطي، ولا سيما في جرائم الاتجار بالمواد المخدرة. وهو اتجاه ينسجم مع متطلبات حماية المجتمع في مواجهة هذا النوع من الجرائم ذات الأثر الممتد والخطورة العالية.

إلا أن استقرار السياسة الجنائية لا يتحقق بالاجتهاد القضائي وحده، وإنما يكتمل بتدخل تشريعي يحوّل المبادئ القضائية الراسخة إلى قواعد قانونية واضحة، ويضع إطاراً موحداً لتقييم الخطورة الجرمية، بما يعزز الثقة في العدالة الجنائية ويوحد التطبيق القضائي.

فالمجتمع لا تحميه العقوبات المشددة وحدها، كما لا يصلحه الإفراج المبكر وحده، وإنما تحميه عدالة قادرة على التمييز بين من انتهت خطورته الإجرامية ومن لا تزال خطورته قائمة. وتلك هي الغاية الحقيقية التي ينبغي أن تتجه إليها السياسة الجنائية الحديثة، وهي الرسالة التي كرّسها القضاء العراقي في هذا الاجتهاد، والتي تستحق أن تجد طريقها إلى النص التشريعي، تحقيقاً للتوازن بين حماية المجتمع وضمانات الشرعية الجنائية.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!