لا يمكن التعامل مع قضايا الفساد والكسب غير المشروع بمنطق “التسوية" الذي ينتهي بإخلاء سبيل المتهم بمجرد دفع مبلغ مالي، ما لم يوجد نص قانوني صريح يجيز ذلك. فالأصل في الإجراءات الجزائية أن الدعوى العامة لا تنقضي، ولا تُعطَّل آثار الحكم الجزائي، ولا يطلق سراح المحكوم، إلا وفق طريق رسمه القانون حصراً.
وبالرجوع إلى قانون هيئة النزاهة والكسب غير المشروع رقم 30 لسنة 2011 المعدّل، نجد أن القانون لم يضع إطاراً عاماً باسم “التسوية” يسمح بإنهاء الدعوى الجزائية أو إخلاء سبيل المتهمين في جرائم الفساد والكسب غير المشروع. بل إن القانون عرّف “قضية الفساد” بأنها الدعوى الجزائية التي يجري التحقيق فيها بشأن جرائم منها سرقة أموال الدولة والرشوة والاختلاس والكسب غير المشروع وغيرها من الجرائم الوظيفية والمالية. كما عرّف الكسب غير المشروع بأنه الزيادة غير المتناسبة في أموال المكلف أو زوجه أو أولاده بنسبة تزيد على 20% سنوياً، متى عجز المكلف عن إثبات سبب مشروع لها.
أما العقوبة، فقد جاءت المادة 19 من قانون هيئة النزاهة والكسب غير المشروع حاسمة؛ إذ عاقبت المكلف الذي يعجز عن إثبات السبب المشروع للزيادة الكبيرة بالسجن مدة لا تقل عن سبع سنوات وبغرامة تعادل قيمة الكسب غير المشروع، وعاقبت غير المكلف بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات وبغرامة تعادل قيمة الكسب غير المشروع إذا ثبتت عدم مشروعية الزيادة في أمواله. والأهم أن المادة نفسها أوجبت على المحكمة الحكم برد قيمة الكسب غير المشروع، ونصت صراحة على عدم إطلاق سراح المحكوم إلا بعد سداد الغرامة ورد قيمة الكسب غير المشروع.
وهذا يعني أن رد المال في قانون الكسب غير المشروع ليس “ثمناً للبراءة”، ولا “تسوية” تنهي الجريمة، وإنما هو أثر قانوني ملازم للحكم الجزائي. فالمال العام يُسترد، والعقوبة تُنفذ، ولا يطلق سراح المحكوم حتى بعد انتهاء مدة محكوميته إذا بقيت بذمته الغرامة أو قيمة الكسب غير المشروع. بل إن وفاة المحكوم لا تمنع تنفيذ الحكم برد قيمة الكسب غير المشروع، بما يؤكد أن المشرّع أراد حماية المال العام بوصفه حقاً لا يسقط بانتهاء الشخص أو العقوبة.
أما عبارة “التسوية” فقد وردت فقط في قانون آخر وبنطاق استثنائي، هو قانون التعديل الثاني لقانون العفو العام رقم 2 لسنة 2025 ، فقد نص التعديل على أن جرائم اختلاس وسرقة أموال الدولة وإهدار المال العام وجرائم الفساد المالي والإداري لا تُستثنى من العفو إذا سدد المشمول ما بذمته من أموال بإجراء تسوية مع الجهة المتضررة تضمن استرداد الأموال العامة، على أن يسدد المبلغ كاملاً.
لكن هذا النص لا يصلح أساساً لتسوية عامة في كل القضايا؛ لأنه ورد ضمن قانون العفو العام وبشروطه، ولا سيما أن أحكام التعديل تسري على الجرائم الواقعة قبل نفاذه، وأنه نُفذ من تاريخ التصويت عليه في مجلس النواب في 21 كانون الثاني 2025. لذلك فإن “التسوية” هنا ليست صلاحية مطلقة لإنهاء أي قضية فساد، بل شرط من شروط الاستفادة من العفو العام في الجرائم المشمولة به زمنياً وموضوعياً.
لذلك، الخلط بين “رد المال العام” و“التسوية التي تنهي المسؤولية الجزائية” خلط خطير. فرد المال واجب في كل الأحوال، لكنه لا يمحو الجريمة ولا يسقط العقوبة إلا إذا وجد نص خاص، كما في قانون العفو العام وضمن حدوده.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!