لم نخرج بعد من هول صدمة المليارات المدفونة في المزارع والمجاري، وكميات الذهب، وأعداد السيارات، و… إلخ، حتى فوجئنا بعدد من الحجاج وأصحاب العمائم يرفعون أصواتهم دفاعاً عن الفساد والفاسدين، وينتقدون اعتقالهم وما يصفونه بالمعاملة المهينة، ويطالبون بسترهم أو معاملتهم برفق واحترام، وكأنهم خبراء في ميادين العلم، أو الصحة، أو مشاريع الذكاء الاصطناعي!
إنه نفاق ينطوي على سقوط أخلاقي، ومشاركة صريحة في ترويج لغة الفساد. وهل نسينا من كان يروّج للفساد بوصفه بديلاً عن الفوضى؟! وكأن البلاد لا يمكن أن تحيا إلا بأحد خيارين، الفساد أو الفوضى!
لقد أصبحت ظاهرة الفساد في العراق عالماً مدهشاً خرافياً، فلم تعد مجرد اعتداء على المال العام، أو تجسيد لكراهية الدولة والانتقام منها، ولا تعويضاً عن نقص اجتماعي أو اضطرابات نفسية، بل غدت ظاهرة تتجاوز جميع هذه التفسيرات، بما يستدعي دراستها اجتماعياً، وأخلاقياً، وتربوياً، ودينياً، وثقافياً، أي دراسة أنثروبولوجية شاملة، لا تكتفي بالقراءة السياسية وحدها!
من المؤسف أن يحتل الفساد بلادنا على هذا النحو الواسع ، ليس بصفته جريمة أفراد وأحزاب، بل تحوّل إلى ثقافة وسلوك ولغة، وهو يتسع بمقبولية اجتماعية، ما يجعل مواجهته مشروعاً مجتمعياً وأخلاقياً، إضافة إلى كونه معركة قضائية أو سياسية ضد الفاسدين!
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!