RSS
2026-08-09 11:27:14

ابحث في الموقع

أنقذوا "الريل وحمد" من الرجم

أنقذوا "الريل وحمد" من الرجم
بقلم:إياد مهدي عباس

تهتم الدول المتحضرة وشعوبها بوسائل النقل المختلفة، ولا سيما النقل بواسطة السكك الحديدية باعتبارها أحد أهم وسائل النقل التي تُقدم خدمات جليلة للمواطنين، إذ تسهم في توفير نقل آمن ومريح مع تكاليف نقل منخفضة إذا ما قورنت بوسائل النقل الأخرى، وقد شهد هذا القطاع الحيوي عبر تاريخه الطويل تطوراً كبيراً ليس على مستوى المنطقة فحسب بل على مستوى العالم لما يمتاز به من مزايا جعلته يتفوق على كثير من وسائل النقل الأخرى خصوصاً قدرته على نقل أعداد كبيرة من المسافرين ونقل البضائع ذات الأوزان الثقيلة بكفاءة عالية وبتكاليف أقل، كما تُعد السكك الحديدية إحدى الركائز المهمة للاقتصاد الوطني، إذ لعبت دوراً حيوياً في نمو وتطوير التجمعات الحضرية والصناعية القريبة من خطوطها.

إلّا أن النقل بالقطارات في العراق بات يعاني من بعض المشكلات والمعوقات التي تحد من قدرته على توفير خدمات جيدة وآمنة للمواطنين. ومن بين أبرز تلك المشكلات، الاعتداءات المتكررة عليها من قبل سكان بعض المناطق الجنوبية الواقعة بالقرب من خطوط السكك الحديدية، حيث يقوم البعض  منهم برشق نوافذها بالحجارة مسببين أضراراً مادية في زجاج النوافذ ما يعرض العاملين والمسافرين على متنها للخطر.

ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن تصدر هذه الأفعال من بيئة جعلت من القطار أو ما يُسمى " بالريل" رمزاً للحب والحنين وخلّدته في أشعارها وأغانيها حتى صار جزءاً من وجدانها وذاكرتها الشعبية لذلك فإن رشقه بالحجارة يبدو وكأنه اعتداء على هذا الإرث قبل أن يكون اعتداءً على مرفق عام.

 فلم يكن القطار بالنسبة لأهل الجنوب مجرد وسيلة نقل بل كان جزءاً لا يتجزأ من تاريخهم وذكرياتهم حيث يعود تاريخ أول خط للسكك الحديدية في تلك المناطق إلى بدايات القرن الماضي حينما تم ربط العاصمة بغداد بمحافظة البصرة وكذلك ربط المدن والمحافظات الأخرى الواقعة بينهما ، أي أن هذا المرفق الوطني كان وما زال يقدم خدماته للعراقيين من سكان تلك المناطق منذ أكثر من مئة عام . وخلال هذه العقود الطويلة أصبح القطار جزءاً من حياتهم اليومية. ويكفي أن نستذكر قصيدة الشاعر الكبير مظفر النواب «للريل وحمد» ، لتدرك المكانة التي يحتلها القطار في وجدان العراقيين ولاسيما أبناء الجنوب.إذ كان "الريل" حاضراً في كثير من أعمالهم الأدبية والفنية.

ولذلك فإن الاعتداء على القطار لا يضر بالمؤسسة الحكومية فحسب بل يضر بالمواطن نفسه ويهدد سلامة العاملين والمسافرين عليه ويسيء إلى صورة المجتمع الجنوبي الذي يفترض أن يحافظ على ممتلكاته العامة لا أن يعتدي عليها، ولو كان الشاعر الكبير مظفر النواب على قيد الحياة لربما كتب قصيدةً أخرى بعنوان للريل والحجارة ولطلب من الريل على لسان تلك الفتاة أن يسرع هذه المرة كي ينجو من حجارة الجهل لا أن يبطئ كي ترى تلك الفتاة حبيبها. ومن هنا نتساءل عن دور الأسرة والمؤسسات التربوية والدينية ووسائل الإعلام في ترسيخ ثقافة احترام المال العام وضرورة المحافظة على المرافق العامة باعتبارها ملكاً عاماً للمواطنين كافة. إلى جانب دور الجهات الأمنية التي تقع على عاتقها مسؤولية حماية ممتلكات الدولة وأرواح العاملين فيها والتصدي بحزم لمثل هذه الظواهر السلبية التي تلحق أضراراً مادية واجتماعية وتهدد سلامة المواطنين.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!