RSS
2026-09-24 14:23:01

ابحث في الموقع

الدولار في السوق الموازية.. أزمة سعر أم أزمة ثقة؟

الدولار في السوق الموازية.. أزمة سعر أم أزمة ثقة؟
بقلم: نوري حمدان

حين يقترب سعر صرف مئة دولار في السوق الموازية من حاجز المئة والستين ألف دينار، في وقت تبدو فيه قطاعات واسعة من السوق العراقية أقل نشاطاً من السابق، يصبح السؤال مشروعاً: من أين يأتي هذا الطلب الذي يدفع الدولار إلى الارتفاع؟ وهل نحن أمام طلب تجاري حقيقي، أم أمام مشكلة أعمق تتصل بالمضاربة، والتحويلات الخارجية، والكتلة النقدية الباحثة عن الدولار بعيداً عن القنوات الرسمية؟

المفارقة أن ارتفاع الدولار يأتي في وقت يشير فيه متعاملون ومختصون إلى ضعف واضح في حركة العقارات والسيارات وعدد من الأنشطة التجارية، مع بقاء النشاط أكثر وضوحاً في المواد الغذائية والسلع الأساسية. ومن الناحية الاقتصادية، يفترض تراجع النشاط التجاري أن يخفف جانباً من الطلب على العملة الأجنبية، لكن استمرار ارتفاع سعرها يعني أن الطلب الموجود في السوق الموازية لا يمكن تفسيره بحركة الاستيراد الاعتيادية وحدها.

هنا تظهر الحلقة الأولى في المشكلة: وجود طلب على الدولار لا يجد طريقه، أو لا يريد أن يجد طريقه، عبر القنوات المصرفية الرسمية.

فجزء من التجار والمتعاملين يحتاج إلى تحويل أموال إلى الخارج، لكنه قد يواجه متطلبات الامتثال والإفصاح عن مصدر الأموال والمستفيد النهائي والفواتير ومسارات التجارة. وكلما أصبحت القنوات الرسمية أكثر انضباطاً، بقي خارجها طلب آخر مستعد لدفع سعر أعلى للحصول على الدولار. وهذا الطلب، حتى إن كان حجمه أقل من الطلب الرسمي، يستطيع التأثير بقوة في سوق موازية محدودة نسبياً.

ويضاف إلى ذلك عامل المضاربة. فحين يدخل السوق أصحاب كتل نقدية كبيرة لشراء الدولار توقعاً لمزيد من الارتفاع، يتحول التوقع نفسه إلى عامل من عوامل الارتفاع. التاجر يشتري لأنه يخشى سعراً أعلى غداً، والمضارب يشتري لأنه يتوقع زيادة الطلب، والمواطن الذي يملك مدخرات قد يحول جزءاً منها إلى الدولار خشية انخفاض قيمة الدينار. وهكذا تتكون حلقة نفسية ومالية تغذي نفسها بنفسها.

لكن اختزال المشكلة بالمضاربين وحدهم سيكون تبسيطاً لها. فالسوق الموازية تؤدي أيضاً وظيفة تمويل العمليات التي لا تمر بالقنوات الرسمية، سواء لأسباب تتعلق بالامتثال والتحويل الخارجي أو بالتجارة غير النظامية أو بحركة الأموال التي يصعب عليها الدخول إلى النظام المصرفي. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس: لماذا يوجد مضاربون؟ بل: لماذا ما زال هناك طلب اقتصادي ومالي يجد السوق الموازية أكثر ملاءمة له من النظام المصرفي؟

وهذه النقطة تفسر جزئياً لماذا لا يؤدي تراجع بعض أوجه النشاط التجاري بالضرورة إلى انخفاض الدولار. فالطلب على العملة لا يرتبط فقط بعدد السيارات المباعة أو العقارات المتداولة، وإنما بحجم الأموال المطلوب تحويلها إلى الخارج، وطبيعة المستوردات، ومسارات التجارة، ومستوى الثقة بالدينار، والتوقعات المستقبلية، فضلاً عن الظروف الإقليمية واضطراب طرق التجارة والتحويل.

أما اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، فهو أخطر من مجرد رقم يظهر على شاشات الصيرفات. وجود سعرين متباعدين لسلعة واحدة يخلق اقتصاداً يقوم على الاستفادة من الفرق بينهما، ويزيد الحوافز للحصول على الدولار بالسعر الرسمي ثم الاستفادة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من قيمته الأعلى خارج القنوات الرسمية. وكلما اتسعت الفجوة ازدادت أرباح الوساطة والمضاربة، وأصبح القضاء على السوق الموازية أكثر صعوبة.

كما أن استمرار هذه الفجوة يربك التسعير داخل الأسواق. فالتاجر الذي يستطيع تمويل استيراداته بالسعر الرسمي يفترض أن يسعر بضاعته على هذا الأساس، لكن التاجر الذي يشتري الدولار من السوق الموازية سيحمّل فرق السعر على السلعة. وفي سوق لا يستطيع المستهلك دائماً معرفة الكلفة الحقيقية للاستيراد، قد يصبح سعر الدولار الموازي مرجعاً نفسياً لتسعير سلع لم تُشترَ أصلاً بذلك السعر.

النتيجة يدفع ثمنها المواطن، فالعراق اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على السلع المستوردة، ولذلك ينتقل ارتفاع الدولار، بدرجات متفاوتة، إلى أسعار الغذاء والدواء والملابس والأجهزة وقطع الغيار والعديد من الخدمات. والمشكلة أن الرواتب والأجور لا ترتفع يومياً مع الدولار. وهكذا تنخفض القوة الشرائية للدخل الثابت من دون أن ينخفض رقمه الاسمي.

ويكون أصحاب الدخول المحدودة الأكثر تضرراً، لأن الجزء الأكبر من دخلهم يذهب إلى الغذاء والسكن والنقل والاحتياجات الأساسية. فزيادة عشرة أو عشرين في المئة في بعض الأسعار قد تكون بالنسبة إلى صاحب الدخل المرتفع عبئاً إضافياً يمكن تحمله، لكنها بالنسبة إلى عائلة محدودة الدخل تعني حذف سلعة من سلة المشتريات أو الاستغناء عن حاجة أخرى.

أما الحديث عن احتمال وصول سعر الصرف إلى 175 ألف دينار لكل مئة دولار، فينبغي التعامل معه بوصفه سيناريو وليس حقيقة حتمية. الوصول إلى هذا المستوى يحتاج إلى استمرار أو تصاعد العوامل الضاغطة: زيادة الطلب خارج القنوات الرسمية، ارتفاع المضاربة، تراجع المعروض النقدي في السوق الموازية، صعوبات إضافية في التحويلات الخارجية، أو تصاعد المخاوف السياسية والأمنية والاقتصادية التي تدفع الأفراد والتجار إلى الاحتماء بالدولار.

وفي الاتجاه المعاكس، يمكن منع هذا السيناريو أو الحد منه إذا زادت قدرة المصارف على تلبية الطلب المشروع بسرعة ومرونة، واتسعت شبكة المصارف القادرة على إجراء التحويلات الخارجية، وتحسن وصول التجار إلى القنوات الرسمية، وتراجعت الحاجة إلى النقد في تمويل التجارة، بالتزامن مع رقابة أكثر فاعلية على مصادر الطلب غير المشروع.

وهنا نصل إلى جوهر المعالجة. إن مطاردة المضاربين ومحال الصيرفة المخالفة ضرورية عندما تكون هناك مخالفات، لكنها لن تكون كافية وحدها. فالسوق الموازية لا تختفي بقرار أمني ما دام هناك طلب حقيقي أو غير نظامي يبحث عن الدولار خارج القنوات الرسمية. العلاج الأكثر استدامة هو تقليص الحاجة إلى السوق الموازية نفسها.

وهذا يتطلب أولاً تسهيل حصول التجارة المشروعة على الدولار عبر المصارف، وتسريع إجراءات التحويل من دون التنازل عن متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة. كما يتطلب توسيع شبكة المصارف العراقية القادرة على التعامل مع المصارف المراسلة في الخارج، لأن كل تضييق في عدد القنوات الفاعلة يرفع الضغط على القنوات البديلة.

ويتطلب الأمر أيضاً ربط المنافذ الحدودية والجمارك والضرائب والمصارف بنظام معلومات متكامل، بحيث لا يستطيع مستورد إدخال بضائع بملايين الدولارات من دون وجود مسار مالي واضح يبين كيفية تمويلها. عندها يمكن معرفة حجم التجارة الحقيقي وحجم الطلب الحقيقي على الدولار، بدلاً من بقاء جزء من الاقتصاد التجاري في منطقة رمادية.

أما الإجراء الأسرع أثراً، فهو زيادة انسيابية عرض الدولار للطلب المشروع، ولا سيما للتجار والمسافرين والتحويلات الشخصية المشروعة، بالتوازي مع مراقبة السوق ومنع إعادة بيع الدولار المخصص لأغراض محددة. فزيادة العرض وحدها من دون رقابة قد تتحول إلى فرصة جديدة للمضاربة، والتشدد الرقابي وحده من دون توفير بدائل رسمية سهلة قد يدفع الطلب أكثر نحو السوق السوداء.

ولذلك فإن معركة سعر الصرف ليست معركة البنك المركزي وحده. إنها مسؤولية مشتركة بين السياسة النقدية والسياسة المالية والجمارك والمنافذ الحدودية والأجهزة الرقابية والمصارف والقطاع التجاري. وما لم تتحرك هذه المؤسسات ضمن رؤية واحدة، ستظل معالجة الدولار أقرب إلى إطفاء الحرائق منها إلى معالجة أسبابها.

إن أخطر ما في ارتفاع الدولار ليس وصوله إلى 160 أو 170 أو 175 ألف دينار، بل أن يعتاد الاقتصاد العراقي وجود سعرين، وأن يصبح السعر الموازي هو الذي يصنع توقعات المواطن والتاجر رغم وجود سعر رسمي مختلف. عندها تتحول الفجوة من ظاهرة نقدية مؤقتة إلى خلل اقتصادي مزمن.

ولهذا فإن استقرار الدينار لا يتحقق بكثرة البيانات ولا بملاحقة الأرقام التي تظهر في البورصات وحدها، وإنما ببناء نظام مصرفي قادر على استيعاب الطلب المشروع، ومحاصرة الطلب غير المشروع، وإعادة الثقة إلى القنوات الرسمية.

فالسؤال الحقيقي ليس: كيف نخفض سعر الدولار في السوق الموازية اليوم؟ بل: كيف نجعل الحاجة إلى هذه السوق تتراجع غداً؟

عندما تنجح الدولة في الإجابة عملياً عن هذا السؤال، تبدأ الفجوة بين السعرين بالانكماش، وتفقد المضاربة جزءاً كبيراً من وقودها، ويصبح استقرار سعر الصرف نتيجة طبيعية لإصلاح الاقتصاد، لا نتيجة حملة مؤقتة في سوق العملة.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!