منَ التَّناقُضاتِ بهذا الصَّددِ حدَّ النِّفاقِ والإِنحرافِ قَولُ البعضِ أَنَّهُ يتشيَّعُ لفكرةٍ ما أَو لعقيدةٍ ما ويكفُر بصاحبِها ولا يعتقِدُ بهِ كثيراً، كقصَّةًِ أَحدهِم معَ صاحبهِ عندما سمعهُ يُدافعُ عن الإِسلامِ فسأَلهُ مُستغرِباً مندهِشاً؛ لكنَّكَ لا تصومُ ولا تُصلِّي وتُمارسُ الفَواحشَ وتلعَبُ معَ الصِّبيانِ! فردَّ عليهِ بالقَولِ؛ ما يهمَّني من الإِسلامِ شرفهُ!.
وهوَ حالُ وواقِعُ الكثيرِ من النَّاسِ، فهو يدَّعي أَنَّهُ مُسلِمٌ ولكنَّهُ لا يُؤمِنُ بنبيِّ الإِسلامِ محمَّد بن عبد الله (ص) ويحمِلُ هويَّة التشيُّع ويكفُر بعليٍّ بن أَبي طالبٍ أَميرِ المُؤمنينَ (ع) ويُشارِكُ في مواكبِ عاشوراء ويخوطُ في [قِدرِ القيمةِ] ويُمارسُ الظُّلمَ ويعتدي على حقُوقِ النَّاسِ ويسرق المال العام ويتجاوَز على أَملاكِ الدَّولةِ ويقبَل بالذُّلِّ وهو يعلمُ عِلمَ اليقينِ أَنَّ من أَشدِّ شِعاراتِ الحُسينِ السِّبطِ (ع) قَولهُ {أَلا وإِنَّ الدَّعيَّ بن الدَّعيِّ قد ركزَ بينَ اثنتََينِ بينَ السِّلَّةِ والذِّلَّةِ وهيهاتَ منَّا الذِّلَّة، يأبي الله لنَا ذلكَ ورسولهُ والمُؤمِنُونَ وحجورٌ طابَت وطهُرت واُُنوفٌ حميَّةٌ ونفُوسٌ أَبيَّةٌ مِن أَن نُؤثِرَ طاعَةَ اللِّئامِ على مَصارعِ الكِرامِ}.
إِنَّ كُلَّ فكرةٍ أَو عقيدةٍ أَو حتَّى نظريَّةٍ لها صاحِبٌ ولها مُؤَسِّسٌ فكيفَ يُمكنُ لكَ الإِيمانُ بها والكفرُ بمُؤَسِّسها؟!.
نعم يمكنُ ذلكَ في حالةٍ واحدةٍ فقط، وهيَ أَن تتمرَّدَ على المُؤَسِّسِ وتُجاهدَ وتجتهِدَ لبناءِ فكرةٍ جديدةٍ تختلفُ عن الفكرةِ الأَصليَّة، كُليّاً أَو جُزئيّاً لا فَرق، فعندَها سيتشيَّعُ لكَ النَّاسُ ولفِكرتكَ، طبعاً إِذا آمنُوا بها وصحَّحُوها، أَمَّا أَن تتمسَّك بالفكرةِ الأَصليَّةِ أَو العقيدةِ الأَصليَّةِ من دونِ أَبسطِ اجتهادٍ لإِجراءِ تغييرٍ وتبديلٍ وتحويرٍ ثمَّ تدَّعي بأَنَّكَ لا علاقةَ لكَ بمُؤَسِّسها وصاحبِها فهذا جهلٌ وتضليلٌ.
ولتقريبِ الفِكرةِ فإِنَّ الذينَ غيَّرُوا في إِيمانهِم بالمذهبِ المعروفِ بـ [الإِثنا عشَري] وبدَّلوا في قناعاتهِم وعقيدتهِم بأُسسِ المذهبِ لم يعُودوا يُسمَّونَ بالإِثنا عشريَّة وإِنَّما بأَسماءٍ أُخرى إِستندَت لقناعاتهِم الجديدةِ ورموزهِم الجديدةِ فكانَ [المذهبُ الزَّيدي] و [المذهبُ الإِسماعيلي] و [النَّزاريَّة] وهكذا.
حتَّى الخوارِج الذين بدأُوا فِرقةً واحدةً إِنقسمَت إِلى عدَّةِ فِرقٍ كُلَّما غيَّرت مجموعةً في متبنَّياتِها فكانت فِرق [الأَباضيَّة] و [الأَزارِقة] و [الصَّفريَّة] وغيرِها.
إِنَّ مَن يتشيَّعَ لعقيدةٍ أَو لمَبدأ ما فهوَ يتشيَّعُ لصالحبِها بالقوَّةِ لأَنَّهُما مُتلازِمان لا يُمكِنُ الفصلُ بينهُما، كما أَنَّ مَن يتشيَّع لحدثٍ تاريخيٍّ ما [الغديرُ وعاشُوراء مثلاً] فإِنَّ عليهِ أَن يتشيَّعَ لهُ على ثلاثةِ مُستوَياتٍ؛
*فلسفةُ الحدثِ وخلفيَّتهُ ومَعانيهُ.
*قِيَمُ ومَبادئُ وأَخلاقيَّات الحدَث.
*صاحبُ الحدثِ وسيرتهِ ومسيرتهِ وسلوكيَّاتهِ وتربيتهِ ودورهِ ومكانتهِ وكُلُّ ما يتعلَّقُ بهِ.
وإِنَّ أَيَّ قصورٍ أَو تقصيرٍ في ذلكَ بمثابةِ التستُّرِ لتحقيقِ أَغراضٍ ما.
عاشُوراء مَثلاً، كيفَ يُمكِنُ التشيُّع لها والإِيمان بها إِذا كُنَّا نجهلُ فلسفتَها وأَسبابها ومُقدِّماتها وخلفيَّاتها وتأثيرها؟!.
وكيفَ يُمكِنُ التشيَّعَ لها إِذا لم نفهَم الحُسين السِّبط (ع) ومكانتهُ من رسولِ الله (ص) ودورهُ في ترسيخِ دعائمِ الإِسلامِ وفي مُواجهةِ القاسطينَ والنَّاكثينَ والمارِقينَ؟!.
كيفَ نتشيَّعُ لها ونحنُ لم نقرأ شيئاً عن حياةِ الحُسين السِّبط (ع) أَو نتعلَّمَ من أَخلاقهِ وسيرتهِ وتربِيتهِ وسلوكيَّاتهِ؟!.
عاشوراء كحدثٍ تاريخيٍّ لم يمتدَّ أَكثرَ من ساعاتٍ معدُودةٍ بعددِ أَصابعِ اليدِ الواحدةِ! ولكنَّهُ كفلَسفةٍ ومعاني وتأثيرٍ يمتدُّ عبرَ الأَثيرِ قرونٍ طويلةٍ وتقف خلفهُ قصَّةً طويلةً من صراعِ الحقِّ والباطلِ، ومِن مُواجهةِ السَّيفِ بالدَّمِ، والمظلُومِ للظَّالمِ!.
الطَّائفيُّونََ والقَومجيُّونَ يفسِّرونَ عاشوراء على أَنَّها صِراعٌ على السُّلطةِ أَو أَنَّها حربٌ بينَ فخِذَينِ من عشيرةٍ لا علاقةَ لهُ بالحقِّ والباطلِ، وبذلكَ لا يخدعُونَ إِلَّا أَنفسهُم وهُم يشعرُونَ بكُلِّ تأكيدٍ لأَنَّهم يعرفُونَ كُلَّ شيءٍ لكنَّهُم يهربُونَ من الحَقيقةِ ولا يريدُونَ الإِعترافَ بها والإِذعانَ لها خَشيةَ الفضيحةَ التَّاريخيَّةَ التي ظلُّوا يعتاشُونَ عليها ويُتاجرُونَ بها طِوالَ الزَّمنِ!.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!