RSS
2026-06-25 19:26:07

ابحث في الموقع

بعد إغلاق هرمز.. كيف تحولت البرازيل إلى المنقذ النفطي للصين على حساب العراق؟

بعد إغلاق هرمز.. كيف تحولت البرازيل إلى المنقذ النفطي للصين على حساب العراق؟
أكدت مؤسسة "عراق المستقبل" للدراسات والاستشارات الاقتصادية، اليوم الخميس، أن ما حدث في مضيق هرمز خلال شهر آذار الماضي جراء تصاعد حدة التوترات في المنطقة لم يكن مجرد اضطراب لوجستي عابر، بل إعادة تشكيلٍ كاملة لخريطة موردي النفط إلى أكبر مستورد في العالم.

وبمقارنة استيرادات الصين للفترة (آذار - أيار 2026) بنظيرتها من العام السابق، تظهر مفارقة لافتة: قيمة استيرادات الصين ارتفعت 7.8٪ بينما تراجعت الكمية 16٪ — لأن السعر هو من قفز، لا الطلب. لكن خلف هذا المعدّل الإجمالي، انقسم الموردون إلى رابحين كبار وخاسرين أكبر، يتصدرهم العراق.

العراق: أكبر الخاسرين بلا منازع

ووفقا للتقرير الصادر عن المؤسسة فقد تراجعت قيمة صادرات العراق النفطية إلى الصين بنسبة 75٪، وكميتها بنسبة 73٪، لينهار معدّله اليومي من نحو 1.3 مليون برميل إلى 363 ألف برميل فقط. لم يكن هذا الانهيار صدفة، بل نتيجة مباشرة لبنية تصديرية تكاد تعتمد بالكامل على موانئ البصرة الجنوبية المطلّة على الخليج.

ونقل التقرير عن رئيسه الخبير الاقتصادي منار العبيدي قوله: حين أُغلق المضيق، وجد العراق نفسه محاصراً: الناقلات عجزت عن المغادرة، ومخازنه امتلأت حتى اضطر إلى تقليص الضخّ في حقل الرميلة لانعدام السعة التخزينية. أما البديل البري الوحيد أنبوب كركوك- جيهان نحو تركيا بطاقة 1.6 مليون برميل يومياً، فقد كان مغلقاً أصلاً، ولم يُعِد التشغيل إلا بطاقة أولية لا تتجاوز 250 ألف برميل. هذه هي التكلفة الحقيقية لهشاشة المنفذ الواحد.

السعودية: نجاة بفضل عقودٍ من الاستعداد

في الضفة المقابلة، نجت السعودية من مصير العراق. صحيح أن كميتها المصدّرة إلى الصين تراجعت نحو 14٪، لكن قيمتها ارتفعت 15٪، ولم تشهد انهياراً. السرّ ليس حظاً، بل خطة طوارئ عمرها أربعة عقود: خط الأنابيب "بترولاين" (شرق - غرب) الممتد 1200 كم من حقول الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، متجاوزاً مضيق هرمز بالكامل.

فعّلت أرامكو الخطة خلال ساعات من بدء الأزمة، ورفعت طاقة الخط إلى 7 ملايين برميل يومياً، وأعادت توجيه أساطيل الناقلات نحو ينبع. لقد كان العراق والسعودية أمام الاختبار نفسه، لكن أحدهما كان قد بنى مخرجه قبل عشرين عاماً.

إيران: التصدير من باب الظلّ

ونوه العبيدي الى أنه رغم العقوبات والحرب، لم تتوقف إيران. لكنها اختفت من الأرقام الرسمية لتظهر تحت أقنعة أخرى: قفزت صادرات «إندونيسيا» إلى الصين بأكثر من 16 ضعفاً -وإندونيسيا مستورد صافٍ للنفط أصلاً- في مؤشر واضح على إعادة وسم الخام الإيراني تحت منشأ بديل. أضف إلى ذلك منفذ جاسك على بحر عُمان الذي يتجاوز هرمز، والأسعار التفضيلية التي تجذب المصافي الصينية المستقلة. هكذا واصلت طهران التدفّق من حيث لا تُحصى.

البرازيل: من الهامش إلى المركز الثالث

وأشارت المؤسسة في تقريرها إلى أن أكبر الرابحين كان البرازيل. تضاعفت قيمة صادراتها إلى الصين (+113٪)، لتقفز إلى المركز الثالث كأكبر مورد للنفط الخام إلى الصين -بالقيمة وبالمعدّل اليومي معاً (نحو 1.26 مليون برميل يومياً)- خلف روسيا والسعودية مباشرة. وسجّل آذار 2026 أكبر شهر تصدير برازيلي للصين في التاريخ.

وذكرت أنه لم يكن هذا الصعود وليد اللحظة. البرازيل كانت مهيّأة سلفاً: إنتاج فائض، وموقع جغرافي خارج نطاق هرمز يجعلها مورداً منخفض المخاطر، واستثمارات صينية راسخة في قطاعها النفطي منذ أكثر من عقد. حين بحثت الصين عن موردٍ موثوق بعيداً عن الشرق الأوسط المضطرب، كانت البرازيل الإجابة الجاهزة. اليوم تستوعب الصين نحو 57٪ من إجمالي صادرات البرازيل النفطية.

إفريقيا الأطلسية: اقتناص الفرصة

وبحسب التقرير، فإن الميزة نفسها -البُعد عن هرمز- رفعت موردي الأطلسي الأفريقي. قفزت صادرات جنوب السودان أكثر من ستة أضعاف، وتشاد ثلاثة أضعاف، وليبيا 150٪، ونيجيريا 95٪. خامٌ لا يمرّ عبر المضيق المغلق، فتحوّل إلى بديلٍ آمن للنفط الخليجي المتعطّل، واتجهت شحنات حوض الأطلسي نحو أسواق "شرق السويس" المتعطّشة للإمداد.

الدرس الاستراتيجي

واختتم العبيدي التقرير بالقول، إنه هذه الأزمة تكشف عن قاعدة قاسية: في زمن الاضطراب، لا يربح الأكبر إنتاجاً، بل الأكثر مرونةً في منافذ التصدير. السعودية نجت لأنها تملك مخرجاً بديلاً، والبرازيل صعدت لأنها بعيدة عن نقطة الاختناق، وإيران صمدت عبر مسارات موازية، بينما دفع العراق ثمن اعتماده شبه الكامل على منفذٍ واحد.

كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!