RSS
2026-02-21 13:02:06

ابحث في الموقع

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (1)

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (1)
بقلم: نزار حيدر

{وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}.

  ما الذي شجَّعَ نبيَّ الله موسى (ع) على أَن يُصدِّقَ الرَّجل السَّاعي ويثقَ بهِ ويأُخذَ بنصيحتهِ؟!.

  وبشكلٍ عامٍّ؛ ما الذي يدفعُكَ لتصديقِ ناصحٍ والوثوقِ بهِ إِذا نصحكَ أَو حذَّركَ؟!.

  الجَوابُ؛ إِذا عُرِفَ بالخصالِ التَّاليةِ واشتهرَ بالصِّفاتِ أَدناهُ فسيُشجِّعُكَ ذلكَ على الإِصغاءِ إِلى نصيحتهِ أَو تحذيرهِ:

  ١/ الحِرص، فهوَ معروفٌ بحرصهِ عليكَ وخوفهِ على سُمعتكَ أَو مستقبلكَ وقلقهِ على إِنجازاتِكَ ونجاحاتِك من الضَّياع.

  ٢/ السُّمعة، فهو ممَّن اشتهرَ بالسُّمعةِ الطيِّبةِ التي لا يُفرِّط بها لكِذبةٍ ساذجةٍ أَو لنصيحةٍ مغشُوشةٍ ينسِفُ بها سُمعةً طيِّبةً واعتِباراً حسناً في المُجتمعِ بناهُ لنفسهِ على مدى سنينَ طويلةٍ بالسِّيرةِ الحسنةِ والإِستقامةِ في القَولِ والعملِ. 

  ٣/ التَّجربة، فلَقد جرَّبتهُ سابقاً مرَّاتٍ عدَّةٍ وتبيَّن لكَ أَنَّ نصائِحهُ في محلِّها وتحذيرهُ لكَ في وقتهِ الصَّحيح لم يخطأ بها.

  جرَّبتهُ أَنَّكَ إِذا أَخذتَ بنصائحهِ أَعانكَ ذلكَ على حمايةِ نفسِكَ ومشرُوعكَ وعلى قادمِ الأَيَّامِ، وإِذا تعاملتَ بجديَّةٍ معَ تحذيراتهِ تجاوزتَ مخاطِرَ ووفَّرتَ جهُوداً كادَت أَن تضيعَ لَو كُنتَ قد تجاهلتَها.

  جرَّبتهُ بأَنَّهُ صادقٌ في نصائحهِ ينطلقُ بها من تجربةٍ في الحياةِ أَو خِبرةٍ في إِختصاصهِ [السِّياسي مثلاً أَو الأَمني أَو المالي (الإِقتصادي) أَو ما إِلى ذلكَ].

  ٤/ النَّزاهةُ فهو لا يبتزُّكَ بنصائِحهِ ولا يطمعُ فيكَ إِذا حذَّركَ وليسَ في نيَّتهِ أَن يفضحكَ إِذا نصحكَ أَو يغشَّكَ إِذا حذَّركَ.

  هذهِ الخِصال والمناقبيَّات مُهمَّةٌ جدّاً لكسبِ ثقَةِ النَّاصحِ فتُصغِ إِليهِ إِذا قدَّمَ لكَ نصيحةً أَو حذَّركَ من أَمرٍ ما، وعن مثلِ هذا النُّموذجِ يقولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {مَنْ حَذَّرَكَ كَمَنْ بَشَّرَكَ} لأَنَّك على يقينٍ، في هذهِ الحالةِ، بأَنَّهُ لا ينوي خِداعكَ ولا يسعى لابتزازكَ ولا يُفكِّر بالتَّنافسِ معكَ ليُزيحكَ عن مكانِكَ ويحِلَّ محلَّكَ مثلاً أَو يسرِقَ مِنكَ جُهداً أَو فُرصةً أَو أَنَّهُ ينوي أَن يبيعكَ لمُنافسكَ أَو لخصمِكَ مثلاً.

  ٥/ النُّموذج، وهيَ من أَهمِّ الأَسباب التي تدفَعُ بكَ للإِصغاءِ إِلى نصائحهِ لأَنَّ المُتناقضَ في كلامهِ أَو ذي الوجهَينِ وذي السُّلوكَينِ المُتناقِضَينِ أَو الذي يقولُ ما لا يفعَل ويفعلُ بالنَّقيضِ ممَّا يقولُ لا يُمكِنُ أَن يكونَ محلَّ ثقةٍ عندكَ تُصغِ إِلى نصيحتهِ أَو تأخُذَ بحذرهِ.

  فالخطيبُ الفاسِدُ أَو الذي يُبرِّرُ للفاسدينَ لا يجوزُ لهُ أَن ينصحَ المُستمعينَ من على مِنبرِ الجُمُعةِ أَو من على مِنبرِ الحُسين السِّبطِ (ع)! بالنَّزاهةِ وعِفَّةِ اليدِ.

  والأُستاذُ المُتهتِّك والقاضي المُرتشي والغنيُّ الذي يبني ثَروتهُ من الحرامِ والوصيِّ الذي يأكُلُ مالَ اليتيمِ، وأَمثالهُم في المُجتمعِ، لا يجوزُ لهُم أَن ينصحُوا الآخرينَ بالأَمانةِ واحترامِ العهُودِ مثلاً! لأَنَّ أَنفُسهُم أَولى بالنُّصحِ والتَّعليمِ كما يقُولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {مَنْ نَصَبَ نَفْسَه لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِه قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِه ولْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ ومُعَلِّمُ نَفْسِه ومُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالإِجْلَالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ ومُؤَدِّبِهِمْ}.

  في الأُسرةِ كذلكَ، فالأَبُ الذي يتجاوَز حدُودهُ معَ الأُمِّ ولا يحترِم القَواعد الأَخلاقيَّة لا يُمكِنُ أَن يثقَ بهِ أَبناءهُ عندما ينصحهُم بشيءٍ يرَونهُ مُنغمِساً فيهٍ يوميّاً.

  كما أَنَّ الأُم التي تتخاصَم مع الأَبِ أَمامَ الأَولادِ ولأَتفهِ الأَسبابِ لا يمكِنُ أَن تكونَ النَّاصِحة الأَمينة التي يثقُ بها الأَبناء عندما تُحذِّرهُم مثلاً من سوءِ الخُلُقِ أَو تقدِّم لهُم نصيحةً تربويَّةً.

  إِنَّ النُّموذج في القَولِ والسُّلوكِ والسِّيرةِ مُهمٌّ جدّاً لتحقيقِ مصداقيَّةِ الناصحِ قبلَ الأَخذِ بنصيحتهِ أُو تحذيرهِ.

  يقولُ تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} حتَّى قالَ {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.

  فيما يُحذِّرُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) من التَّناقض في القولِ والسُّلوكِ وازدواجِ الشَّخصيَّة بقولهِ {الإِيمَانُ أَنْ تُؤْثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ وأَلَّا يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضْلٌ عَنْ عَمَلِكَ وأَنْ تَتَّقِيَ اللَّه فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ}.

  ٦/ الشَّجاعةُ في النَّصيحةِ وعندما يحذِّركَ، فإِذا كانَ النَّاصِحُ معرُوفاً بالجُبنِ والخَوفِ فليسَ من السُّهولةِ بمكانٍ تصديقهُ والأَخذُ بنصيحتهِ، فقد يكونُ مدفوعاً أَو خائفاً من شيءٍ أَو أَنَّهُ يُحذِّرُكَ تحتَ التَّهديدِ من خَصمِكَ مثلاً، فبهذهِ الحالةِ لا تكون نصيحتهُ حقيقيَّةً وتحذيرهُ في محلِّهِ إِذ سيكونُ ممزُوجاً بخَوفٍ.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!