RSS
2026-05-04 12:36:26

ابحث في الموقع

تأمين صحي "إجباري" في المؤسسات العراقية: استقطاعات مالية بلا مقابل

تأمين صحي "إجباري" في المؤسسات العراقية: استقطاعات مالية بلا مقابل
تواجه خطوة فرض التأمين الصحي الإجباري على موظفي الدولة في العراق موجة رفض وانتقادات متصاعدة، في ظل شكاوى من استقطاعات مالية بدأت تفرض بالفعل، مقابل غياب واضح للخدمات الصحية التي يفترض أن يوفرها النظام، ما يثير تساؤلات حول جدوى التطبيق في هذه المرحلة.

وأفاد موظفون في عدد من المؤسسات الحكومية بأن وزارة الصحة ألزمت دوائر الدولة تباعاً بالانخراط في نظام التأمين الصحي من دون استثناء، مع فرض استقطاعات شهرية من رواتبهم، بل واحتسابها في الشهر الحالي بأثر رجعي منذ شباط الماضي، رغم عدم وجود أي تغيير فعلي في مستوى الرعاية الصحية أو في آلية تلقي الخدمات الطبية.

يقول أحد موظفي وزارة التعليم العالي، يدعى رعد الماجدي، -التي كانت من أولى الوزارات التي طبق فيها النظام-، إنّ "فكرة التأمين الصحي ليست مرفوضة من حيث المبدأ، لكنها تفقد معناها عندما لا تقترن بخدمة حقيقية" ويضيف، "لا نثق بالمنظومة الصحية الحالية، سواء في المستشفيات الحكومية التي تعاني من نقص التجهيزات والأدوية، أو حتى الأهلية التي تقدم خدمات أقل من مستوى الكلفة التي يتحملها المواطن".

ويشير موظفون آخرون إلى أنهم حاولوا في بداية الأمر رفض تزويد دوائرهم بالبيانات المطلوبة للاشتراك، إلّا أن الطلبات تكرّرت أكثر من مرة، قبل أن تفرض الاستقطاعات فعلياً، ما اعتبروه "إجباراً غير مباشر" على القبول بالنظام، خصوصاً مع ربط بعض الإجراءات الإدارية باستكمال بيانات التأمين.

ومنذ أكثر من عام أعلنت وزارة الصحة أنها بدأت تطبيق نظام التأمين الصحي للراغبين من الموظفين وغير الموظفين، إلّا أنها فوجئت بعدم الاندماج بالنظام، وأن معظم العراقيين لا يثقون بجدية التطبيق الصحيح لنظام التأمين، ما دفعها إلى فرضه في الدوائر. وبحسب شهادات متعدّدة، لم تقدم وزارة الصحة توضيحات كافية بشأن آليات التطبيق أو شبكة المؤسسات الصحية التي سيغطيها التأمين، كما لم تستجب لتساؤلات الموظفين حول طبيعة الخدمات المشمولة، أو سقوف التغطية، أو آلية التعويض، ما عزّز حالة الغموض وعدم الثقة.

من جهته، انتقد عضو في نقابة الأكاديميين، مهند الحياني، أسلوب فرض التأمين الصحي، معتبراً، أن "التأمين الصحي خطوة ضرورية إذا كان مبنياً على بنية صحية قادرة على الاستيعاب، لكن ما يجري حالياً هو استقطاع أموال من دون مقابل واضح"، مضيفاً أن "الاقتطاع بأثر رجعي منذ شباط يثير تساؤلات جدية حول شفافية التطبيق، خاصة وأن الموظفين لم يلمسوا أي خدمات إضافية حتى الآن، ولم يتم إشراكهم في فهم تفاصيل النظام"، وشدد أن "نجاح أي نظام تأمين يعتمد بالدرجة الأولى على جاهزية البنية التحتية الصحية، من مستشفيات وكوادر وتجهيزات، إضافة إلى وجود نظام إداري شفاف يضمن وصول الخدمة للمشتركين بشكل عادل وسريع، وهو ما لا يتوفر بشكل كافٍ في العراق حالياً بحسب تقديراتهم".

ويأتي هذا الجدل في سياق أوسع من الضغوط المالية التي تواجهها الحكومة العراقية، والتي انعكست على سياسات تتعلق بالرواتب والإنفاق العام فقد اشتكى موظفون في الأشهر الأخيرة من تأخر صرف الرواتب في بعض المؤسسات، إلى جانب حديث متكرّر عن إجراءات تهدف إلى تقليص النفقات لمواجهة الأزمة المالية، ما جعل أي استقطاع جديد ينظر إليه بحساسية عالية.

ويرى عضو نقابة الأطباء العراقيين، غانم اللهيبي، أنّ "فرض التأمين الصحي بصيغته الحالية قد يفهم من شريحة واسعة من الموظفين جزءاً من الإجراءات المالية الحكومية الضاغطة على شريحة الموظفين، خاصة في ظل غياب الثقة بالقطاع الصحي، الذي يعاني سنوات من ضعف التمويل وسوء الإدارة، إلى جانب تحديات مزمنة مثل الاكتظاظ ونقص الخدمات التخصصية وهجرة الكوادر الطبية".

وأكد اللهيبي، أن "استمرار تطبيق النظام من دون تحسين فعلي وملموس في جودة الخدمات الصحية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها تعميق فجوة الثقة بين الموظف والمؤسسات الحكومية، وتقويض أي محاولة مستقبلية لإصلاح القطاع الصحي عبر أدوات التمويل الحديثة".

وفي ظل هذا الواقع، تتصاعد مطالبات بضرورة إعادة النظر بآلية تطبيق التأمين الصحي، من خلال ضمان الشفافية، وتوضيح الخدمات، وربط الاستقطاعات بتحسين فعلي في الأداء الصحي، بدلاً من فرضه كالتزام مالي إضافي على الموظفين.

ومع استمرار الاستقطاعات، يترقب الموظفون ما إذا كانت الحكومة ستقدم مؤشرات ملموسة على تحسين الخدمات الصحية، أم أن التأمين سيبقى، كما يصفه البعض، "استقطاعاً ثابتاً بلا أثر واضح على أرض الواقع"، في بلد لا يزال فيه الحصول على علاج مناسب تحدياً يومياً لشريحة واسعة من السكان.


المصدر: العربي الجديد
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!