RSS
2026-07-14 07:48:40

ابحث في الموقع

حين تصبح الجريمة تستحق المحاولة

حين تصبح الجريمة تستحق المحاولة
بقلم: ارادة الجبوري

أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس كثرة الجرائم، بل أن يبدأ الناس بالنظر إلى مخالفة القانون على أنها فرصة تستحق التجربة.. عند هذه اللحظة يبدأ القانون بخسارة أهم معاركه.

فالعقوبة لم تُشرَّع يومًا للانتقام من المخطئ، ولم يكن هدفها إشباع رغبة المجتمع في رؤية الجاني وهو يُعاقب. إنما وُجدت لحماية المجتمع قبل وقوع الجريمة، ولجعل التفكير في مخالفة القانون قرارًا مكلفًا لا يستحق المجازفة.

ولذلك لم تنظر الفلسفة القانونية إلى العقوبة بوصفها وسيلة للانتقام، وإنما باعتبارها أداة لحماية المجتمع وتحقيق الردع؛ لأن القانون يفقد هيبته عندما تصبح مخالفة أحكامه أقل كلفة من الالتزام بها.

فالإنسان لا يلتزم بالقانون لأنه يخاف النصوص المكتوبة، بل لأنه يدرك أن مخالفة القانون ستكلّفه أكثر مما قد يحققه من مكاسب. ومن هنا تنشأ هيبة القانون. أما إذا أصبح المكسب المحتمل أكبر من العقوبة المتوقعة، فإن ميزان الردع يختل، ويبدأ احترام القانون بالتراجع.

وهنا يكمن الفرق بين العقوبة وثمن المخالفة. فالعقوبة هدفها أن تمنع الفعل، أما ثمن المخالفة فهو خسارة يقبلها البعض إذا كانت أقل من المنفعة التي ينتظرونها. وعندما تتحول العقوبة إلى مجرد ثمن يمكن تحمله، فإنها تفقد وظيفتها الأساسية.

ولعل البيئة الجامعية تقدم مثالًا واضحًا على كيف يمكن لضعف الردع أن يشجع على ارتكاب المخالفات. فإذا أصبح الطالب الذي يُضبط متلبسًا بالغش يخسر امتحان المادة فقط، ثم يُمنح فرصة إعادتها في الدور الثاني، فما الذي سيدور في أذهان بقية الطلبة؟ سيحسب بعضهم الأمر ببساطة: إن نجحت في الغش فقد ربحت، وإن كُشفت فلن أخسر إلا فرصة أخرى كنت سأحصل عليها على أي حال. عندها يتحول الغش، في نظر بعض الطلبة، من مخالفة يخشون عواقبها إلى فرصة تستحق المجازفة.

والأخطر أن هذا المنطق لا يبقى داخل قاعة الامتحان. فالجامعة لا تخرّج أصحاب الشهادات فحسب، بل تخرّج أيضًا مواطنين يحملون قيمًا وسلوكًا سيرافقهم في مواقع المسؤولية مستقبلًا. وإذا تعلّم الطالب أن مخالفة الأنظمة لا تكلّفه الكثير، فمن الصعب أن نتوقع منه، بعد سنوات، أن يتعامل مع القانون بمنطق مختلف. و هكذا لاتعدو القضية قضية امتحان، بل قضية قيم تُبنى في وعي الأجيال. فالقرارات لا تُقاس بحسن النية التي تقف وراءها، بل بالأثر الذي تتركه في سلوك الناس.

والصورة نفسها يمكن أن تُقرأ في الجرائم التي تمس المال العام. صحيح أن استعادة الأموال المنهوبة حق لا يمكن التنازل عنه، لكن هل يكفي رد المال وحده؟

فالمال العام ليس ارقاما تعاد الى خزينة الدولة فحسب، بل هو مدارس لم تُبنَ، ومستشفيات لم تُجهز، وطرق لم تُنجز، وخدمات افتقدها الناس، وفرص ضاعت، واحلام اختطفت، واجيال شوهت نفسيا ومعرفيا. هناك أضرار لا يمكن إصلاحها بمجرد إعادة الأموال، لأن الزمن لا يعود، والثقة التي تتآكل يصعب استعادتها.

وإذا أصبح أقصى ما يخشاه المعتدي على المال العام هو إعادة ما استولى عليه بعد انكشاف أمره، فإن الرسالة التي تصل إلى الآخرين ستكون خطيرة؛ إذ تتحول الجريمة إلى مخاطرة محسوبة، لا إلى فعل يخشاه الناس ويتجنبونه. والأسوأ من ذلك أن المجتمع قد يعتاد فكرة أن مخالفة القانون ليست سوى تجربة، فإن نجحت كان المكسب كبيرًا، وإن فشلت فلن تكون الخسارة بالحجم الذي يردع الآخرين عن تكرارها.

ولهذا فإن المجتمع لا يفقد ثقته بالقانون عندما تكثر الجرائم، بل عندما يشعر أن مخالفة القانون قد تكون أكثر ربحًا من الالتزام به. فالقانون لا يحمي نفسه بالنصوص وحدها، وإنما بعدالة تطبيقه، وبعقوبات تحقق الردع، وتؤكد أن احترام القانون هو الخيار الاكثر أمنًا وعدلًا.

إن قوة القانون لا تُقاس بعدد مواده، ولا بشدة العقوبات التي يتضمنها، بل بقدرته على حماية القيم التي يقوم عليها المجتمع: النزاهة، والعدالة، وتكافؤ الفرص، وصون المال العام، واحترام حقوق الآخرين..

وحين يصبح السؤال قبل ارتكاب مخالفة " ماذا ساخسر اذا كُشفت؟ " بدلًا من "هل ما افعله صحيح؟ "، فاعلم أن الردع بدأ يضعف، وأن القانون فقد جزءًا من رسالته. فالمجتمعات لا تنهار يوم تكثر الجرائم، بل يوم يقتنع الناس بأن مخالفة القانون تستحق المحاولة.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!