المعاملة والمنفعة
ويقول المتحدث باسم وزارة العدل أحمد اللعيبي، إن “نقل المحكومين الأجانب إلى بلدانهم يهدف، أولاً، إلى معالجة الضغط الذي تعانيه السجون العراقية نتيجة هذه الأعداد، فضلاً عن تطبيق مبدأ السيادة والمعاملة بالمثل”، موضحاً أنه “في حال وجود نزلاء عراقيين في هذه الدول، فإن العراق يعمل، وفق هذا المبدأ، على نقل السجناء العراقيين واستقبال الدول لرعاياها الموجودين في السجون العراقية”.
ويضيف، أن “هذه الخطوة تهدف أيضاً إلى تعزيز العلاقات وتعميقها بين العراق وهذه الدول في مجال مجابهة الإرهاب والوقوف بوجهه، فضلاً عن تحقيق مبدأ السيادة والمنفعة المتبادلة، سواء عن طريق نقل المحكومين أو تعزيز العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين البلدان المعنية”.
وأعلنت وزارة العدل، أمس الأحد، بدء تحرك دبلوماسي لإعادة نحو 6 آلاف نزيل أجنبي من السجون العراقية إلى بلدانهم، يحملون جنسيات 61 دولة عربية وأجنبية، على أن تستثني الإجراءات المحكومين بالإعدام.
وبحسب الوزارة، جاء التحرك بعد حصولها على قرار من مجلس الأمن الوطني، إذ بدأت بالتنسيق مع الجهات المختصة وفتح قنوات اتصال مع الدول المعنية، تمهيداً لإبرام مذكرات تعاون واتفاقيات تسمح بنقل المحكومين لإكمال المدد المتبقية من أحكامهم داخل بلدانهم، وفق مبدأ المعاملة بالمثل أو الاتفاقيات ومذكرات التفاهم المشتركة.
ضمانات ومبادرات
ويبين اللعيبي، أن “مذكرات التفاهم والاتفاقيات تتضمن مواد قانونية واضحة تلزم هؤلاء المحكومين بقضاء مدة محكومياتهم داخل بلدانهم بعد نقلهم”، مؤكداً أن “السلطات العراقية ستتابع أوضاعهم دورياً، ولا يمكن إعادة محاكمتهم أو إطلاق سراحهم إلا بعد إعلام السلطات العراقية والحصول على موافقتها، وهي من بين الضمانات المؤكدة التي تعمل عليها الوزارة”.
ويشير إلى أن “التحرك في هذا الملف يأتي بمبادرة من جميع الأطراف، والعراق يدافع عن العالم أجمع من خلال تصديه لتنظيم داعش الإرهابي، فيما تضم سجونه أغلب سجناء هذه التنظيمات، ولذلك فإن معالجة الملف تمثل مهمة تعاونية ومبادرة من جميع الأطراف”.
ويتابع، أن “العراق يملك زمام المبادرة من خلال قنواته الدبلوماسية، إلى جانب تحركات وزير العدل خالد شواني عبر لقاءاته مع بعثات الاتحاد الأوروبي والسفراء العرب والأجانب والبعثات الدبلوماسية والمكاتب الأممية، للتأكيد على ضرورة إنهاء هذا الملف واستلام كل دولة رعاياها المشمولين بالنقل”.
وتتصدر الجنسية السورية قائمة جنسيات النزلاء المشمولين، إلى جانب محكومين من المغرب والولايات المتحدة وكندا وروسيا وتونس وتركيا، فضلاً عن جنسيات أخرى من مختلف قارات العالم.
وتربط وزارة العدل الخطوة أيضاً بالضغط الذي تسببه الأعداد الكبيرة من المحكومين الأجانب على الطاقة الاستيعابية للأقسام الإصلاحية، ولا سيما بعد إعادة توزيع نزلاء عراقيين بين المؤسسات الإصلاحية وتخصيص سجن الكرخ المركزي لاستقبال هؤلاء النزلاء.
مخاطر أمنية
من جهته، يحذر الخبير الامني اللواء الركن المتقاعد عماد علو، من “مخاطر نقل أو تسليم المدانين بالإرهاب المحتجزين في العراق إلى دولهم، لأن استمرار احتجازهم بعد تسليمهم إلى بلدانهم ليس أمراً مضموناً، حتى في حال عرضهم على القضاء أو المحاكمة، كون الأعمال الإرهابية والإجرامية التي ارتكبوها لم تقع في دولهم، وإنما في مناطق داخل العراق وسوريا”.
ويشير علو إلى أن “قضايا حقوق الإنسان وحقوق السجناء قد تدخل في هذا الملف، لذا نقل هؤلاء بهدف تخفيف الاكتظاظ في السجون العراقية لن يكون في صالح العراق، لأن هذا الإجراء الإداري قد تترتب عليه مخاطر تتمثل في انتهاء احتجازهم داخل بلدانهم، ومن ثم إمكانية عودتهم إلى العراق أو تشكيل تنظيمات جديدة تهدد الأمن والسلامة العراقية والإقليمية، فضلاً عن احتمال ارتكابهم أعمالا إرهابية”.
ارتباطات وعلاقات
ويشدد علو على “ضرورة وجود ضمانات واتفاقات بين العراق والدول والجهات التي يجري تسليم المدانين أو الإرهابيين إليها، بما يضمن استمرار احتجازهم ومتابعة مسارهم المستقبلي، ولا سيما بعد خروجهم من السجون، وما إذا كانوا سيخضعون للمعالجة والمتابعة، كما من الضرورة وجود متابعة من الجانب العراقي لاتجاهاتهم وسلوكهم المستقبلي، بما يكفل اتخاذ الإجراءات التي تحمي الأمن والاستقرار الداخلي للعراق”.
ويخشى الخبير الأمني من أن “إعادة هؤلاء المدانين أو تسليمهم إلى دولهم قد تعيد صلاتهم وعلاقاتهم بمجاميعهم أو تنظيماتهم التي لا تزال فاعلة، ولا سيما الإرهابيين أو مرتكبي الجرائم من السوريين الذين تسلمهم العراق ضمن الأعداد التي نقلها التحالف الدولي من سجون قوات سوريا الديمقراطية”.
ويردف، أن “هؤلاء قد تكون لديهم ارتباطات وعلاقات مع أشخاص كانوا معهم في تنظيمات إرهابية، مثل تنظيمي داعش والقاعدة، والذين أصبح بعضهم جزءاً من القوة العسكرية أو القوات المسلحة أو الجيش السوري الجديد، فضلاً عن وجودهم في تشكيلات أمنية تابعة لوزارتي الداخلية والدفاع، وكانوا سابقاً ضمن تنظيم داعش ولديهم علاقات بالحركات والتنظيمات السلفية الجهادية”.
ويستدل على ذلك بما شهدته سوريا من عمليات وجرائم واشتباكات، محذراً “من وجود احتمال كبير وخطير لإعادة هؤلاء إلى سوريا، ومن ثم عودتهم إلى ممارسة نشاطهم والتواصل مع أقرانهم أو معارفهم الموجودين في الأجهزة الأمنية والعسكرية السورية الحالية، الأمر الذي قد يشكل تهديدا للعراق، ولا سيما إذا أطلق سراحهم هناك”.
اتفاقيات صارمة
ويرى اللواء المتقاعد، أن “احتمال تحرك هؤلاء واستئناف نشاطهم في مجتمعات أو مناطق توفر لهم حواضن لممارسة أعمالهم الإرهابية يبقى وارداً جداً، ولا سيما في المناطق القريبة من الحدود العراقية السورية، مثل دير الزور والبوكمال والرقة”، مشيراً إلى أن “بعض هذه المناطق لا يزال يشهد تعاطفاً مع الحركات السلفية الجهادية”.
ويشدد على أن “هذه المسألة يجب أن تدرس بعناية كبيرة، وأن تبرم اتفاقات صارمة ودقيقة تحول دون عودة هؤلاء إلى ممارسة النشاط الإرهابي مستقبلاً وانعكاس ذلك على الأمن والاستقرار الداخلي للعراق، وألا تكون معالجة الاكتظاظ أو تقليل أعداد المحتجزين على حساب الاعتبارات الأمنية”.
تقديم دعم دولي
ويطرح علو في المقابل “إمكانية مطالبة العراق المجتمع الدولي ودول هؤلاء المدانين ومنظمات المجتمع الدولي بتقديم الدعم لتأمين مناطق احتجاز ومنشآت جديدة تتوافر فيها وسائل الحماية، بما يضمن بقاءهم حتى انتهاء محكومياتهم التي أقرها القضاء العراقي بشكل قانوني”.
ويختتم علو بالتأكيد على ضرورة “إعادة تقييم أوضاع هؤلاء بشكل دقيق، كونهم لا يمثلون حالة واحدة، إذ إن بعضهم دخل تلك التنظيمات بدافع المصالح، فيما ارتبط آخرون بها نتيجة ظروف معينة، ما يفتح المجال أمام إصلاحهم وإعادة تأهيلهم بما يقلل من مخاطر واحتمالات عودتهم إلى ممارسة النشاط الإرهابي”.
في المقابل، تؤكد وزارة العدل على التواصل المباشر مع البعثات الدبلوماسية ومفاتحة الدول رسمياً لاستلام رعاياها وإكمال محكومياتهم داخل سجونها، ضمن مسار تقول إنه يستهدف تعزيز التعاون القضائي والدولي وتطوير آليات تنفيذ الأحكام.
وبين تخفيف الضغط عن السجون ونقل آلاف المحكومين إلى 61 دولة، ينتقل التحدي من عملية التسليم نفسها إلى ما بعدها، إذ ستتوقف فاعلية الخطوة على الآليات والاتفاقيات التي تضمن إكمال كل محكوم المدة المتبقية من حكمه بعد مغادرة السجون العراقية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!